التغير المناخي والمواقف الدولية المبهمة

...
التاريخ: 06 - 12 - 2022

المصدر: مفكرو الإمارات

أبوظبي

بات التغير المناخي أحد الموضوعات الساخنة والمتداولة في الساحة العالمية، ويحاول المجتمع المدني والدولي أن يعرضه بصفته الخطر الأكبر الذي يواجه البشرية والحياة على كوكب الأرض. وبالرغم من هذا التحشيد العالمي؛ فإن ثمَّة تساؤلًا يطرح نفسه عمَّا إذا كانت الدول المتقدمة تريد فعلًا الخروج بحلول حقيقية، أو تقديم علاجات وقتية فقط، كتلك المقترَحة بشأن تمويل الخسائر والأضرار الناجمة عن الانبعاثات الكربونية في البلدان المنخفضة الدخل.

 

وتبدو الدول منقسمة على نفسها وسط احتدام المنافسة التجارية والصناعية بين الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة الأمريكية والصين اللتَين تُعَدّان أكبر دولتَين مسؤولتَين عن تلوث البيئة، وعدم وجود أي بوادر من مجموعة العشرين -المسؤولة عن 80 في المئة من الانبعاثات العالمية- لتقديم ضمانات مؤكَّدة بتقليل معدل الانبعاثات، فضلًا عن تخلي الدول الأغنى عن تحمُّل مسؤولياتها على صعيدَي الأهداف والمساعدات؛ ما بَدَا جليًّا في التوترات القائمة والمواقف بشأن صناديق التعويضات، وتمويل الدول الفقيرة والنامية من أجل التعامل مع آثار التغير المناخي، ومساعدتها على الانتقال إلى الطاقة المتجددة.

 

وبرغم أن قرارات قمة المناخ 27 في مصر تضمَّنت إنشاء صندوق لدعم المناطق الأكثر عرضةً للخطر في العالم؛ فإن المفارقة غير المفهومة هي عدم تحديد مصادر تمويل هذا الصندوق، وآليات تنفيذه؛ كما أن القمة، التي جمعت أكثر من 200 دولة، لم تصل إلى اتفاق مُلزِم بشأن خفض معدل الانبعاثات الغازية الناجمة عن حرق الفحم والغاز والنفط؛ وهو الأمر الأهم الذي اجتمع من أجله العالم!

والمسألة التي لا تزال ضائعة في فلك المجتمع الدولي تتمثَّل في كيفية الالتزام العالمي بالحد من الاحتباس الحراري، والوصول وفقًا لاتفاق مؤتمر باريس للمناخ عام 2015 إلى مستوى 1.5 درجة بصفته سقفًا أعلى لا ينبغي تخطيه -وهو المستوى الذي يعادل مستويات ما قبل الثورة الصناعية. وفي خضم ما يجري من أحداث دولية؛ فإن تحقيق ذلك ربما بات هدفًا مستحيلًا وسط استعار حالة التسابق العالمية؛ إذ تسعى جميع الدول إلى التعامل العاجل مع المتطلبات التنموية المُلحَّة؛ ما يعني مزيدًا من استهلاك مصادر الطاقة التقليدية.

 

تنبيهات التقارير الدولية

 

لا تزال التقارير الدولية تُطلِق صفَّارات الإنذار بأن التغيرات المناخية وصلت إلى مرحلة خطِرة جدًّا، وسوف تتسبَّب بتدمير الحياة على كوكب الأرض بوتيرة أسرع كثيرًا مما كان متوقعًا؛ فمعظم التقارير تشير إلى ارتفاع درجة حرارة سطح الأرض في الأعوام الخمسين الماضية على نحو أسرع مقارنةً بأي حقبة زمنية أخرى على مدى الألفي عام الماضية على الأقل.

وبحسب تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، الصادر في 8 أغسطس الماضي؛ فإن التأثير البشري أدى إلى تدفئة المناخ بمعدل غير مسبوق في آخر ألفي عام على الأقل؛ كما أوضح التقرير أنه في عام 2019 وصل تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي إلى أعلى مستوًى له من أي وقت مضى فيما لا يقل عن مليوني عام، وأن تركيز الميثان وأكسيد النيتروز (أكسيد النيتروجين الثنائي) كان أعلى من أي وقت في الأعوام الـ800,000 الأخيرة.

 

ويخلُص التقرير إلى استنتاجات حسابية مقلقة، منها على سبيل المثال أن درجات الحرارة في العقد الأخير (2011-2020) قد تجاوزت تلك التي امتدَّت قرونًا متعددة في المدَّة الدافئة منذ نحو 6,500 عام، وأن متوسط مستوى سطح البحر العالمي قد ارتفع منذ عام 1900 على نحو أسرع مقارنة بأي قرن سابق في الثلاثة آلاف عام الماضية.

 

ويوضح التقرير أن انبعاثات غازات الدفيئة من الأنشطة البشرية مسؤولة عن نحو 1.1 درجة مئوية من الاحترار بين عامَي 1850 و1900، مبيّنًا أن متوسط ارتفاع درجة الحرارة العالمية في الأعوام العشرين المقبلة سيصل إلى 1.5 درجة مئوية أو يتجاوزها.

 

ويشير كثير من الدراسات الدولية إلى أن ارتفاع درجات الحرارة في الغلاف الجوي أكثر من أربع درجات مئوية قد يؤدي في أبسط أشكاله إلى ابتلاع مدن بأكملها، مثل الإسكندرية وشنجهاي وميامي، وغيرها من المدن والجزر التي قد تصبح تحت سطح البحر.

 

المواقف الدولية

 

على الرغم من وضع معظم دول العالم أهدافًا لخفض الانبعاثات الكربونية بحلول عام 2030، والوصول إلى مستوى “صفر كربون” بحلول عام 2050 كما تنادي بذلك الأمم المتحدة؛ فإن المسألة ربما لا تزال “حبرًا على ورق” في ظل عدم وجود آلية ملزِمة تُراجِع أداء الدول البيئي وفق جدول زمني صارم للتخلص التدريجي من استخدام الفحم مثلًا.

 

والأمر برمته متروك للدول الكبرى التي لا تزال تتوسَّع في إنتاج النفط والغاز واستهلاكهما، والعودة إلى الاعتماد على الفحم أخيرًا. والمتضرر الأكبر مرة أخرى -فيما يبدو- سيكون الدول النامية والفقيرة التي لا تملك قدرات كافية على التعامل مع الكوارث البيئية أو الأضرار التي قد تلحق بها، سواء كانت فيضانات، أو جفافًا، أو ارتفاعًا في منسوب مياه سطح البحر؛ على النقيض من الدول الصناعية الكبرى التي تملك قدرات اقتصادية وتكنولوجية كبيرة تمكِّنها من التعامل الأفضل مع مثل هذه الأزمات.

 

وعلى سبيل المثال أعلنت روسيا أنها تستهدف تقليل الانبعاثات بحلول عام 2060، كما أعلنت الهند أنها ستلتزم الوصولَ إلى الحياد الكربوني في عام 2070، وسط أصوات متعالية ومحبِطة لعلماء المناخ تقول إن الكوارث المناخية قد تَظهر في عقود قليلة مقبلة؛ ولكنْ في ظل ارتفاع الطلب على الطاقة في الصين، والأدلة التي تؤكد قيامها بزيادة إنتاج الفحم؛ فإن من غير المتوقع تحقيق أي من أهداف خفض الانبعاثات وفقًا للمواعيد التي تطالب بها منظمة الأمم المتحدة والمنظمات المعنيَّة بالمناخ.

 

ولا تزال القدرات الإنتاجية والتكنولوجية والتكاليف اللازمة للتحول إلى المجتمعات الخضراء، أو الاقتصاد الأخضر، بعيدة كثيرًا عن طموح الدول، سواء كان ذلك لإنتاج الطاقة الكهربائية من مصادر الطاقة البديلة، أو استخدام وقود سائل صديق للبيئة قادر على تشغيل الآلات والماكينات والمركبات. وإزاء هذا التحدي تبدو النفقات المخصَّصة لتطوير تلك المعدات والأجهزة غير كافية للتطوير والإنتاج الكثيف، ولا تزال معايير الربح والمنافسة هي المعيار الوحيد الذي يحكم التوجهات الحكومية عمومًا، بعيدًا عن وجوب دفع الأخطار بصفته أولوية تسبق جني الربح.

 

إن المجتمع الدولي أمام خيار وحيد هو أن تكون هناك قوانين دولية ملزِمة بخفض الانبعاثات الكربونية، والحد من ممارسات التلوث البيئي ونِسَبه؛ ولكنَّ الأمور لن تجري -فيما يبدو- على هوى هذه الأهداف في معركة الطاقة العالمية، التي تميل فيها الدول الكبرى إلى التوسع والنفوذ، والدول النامية إلى تحقيق أجنداتها التنموية الوطنية؛ وستكون الدول الفقيرة أكبر المتضررين. وما نعلمه حقًّا هو أن كوكب الأرض سيكون على موعد مع مواجهة تحديات صعبة في العقود الآتية، وسيكون الثمن باهظًا آنذاك، وسيدفعه -بلا شك- أبناؤنا، والأجيال المقبلة.