كيف يشكل الاقتصاد الرقمي نماذج جديدة للتعاون والتبادل؟

...
التاريخ: 21 - 02 - 2024

القاهرة

المصدر: جريدة الوفد

أ.د. علي محمد الخوري

فى عصر تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجى والرقمى، تبرز نماذج اقتصادية جديدة تتجاوز الأساليب التقليدية فى الإنتاج والاستهلاك، ويعد «اقتصاد المشاركة» أحد أبرز هذه النماذج. يعتمد هذا النموذج على التكنولوجيا لتوسيع نطاق ممارسات التعاون والتبادل، ويشكل تحولًا جذريًا فى كيفية تفاعل الأفراد والمجتمعات والشركات مع الموارد والخدمات.

أساسيات اقتصاد المشاركة والعوامل المحركة

اقتصاد المشاركة يقوم على مبدأ بسيط ولكنه ثوري؛ وهى أن فكرة الوصول إلى السلع والخدمات قد يكون أهم من امتلاكها. فمن خلال المنصات الرقمية، يُمكّن هذا النموذج من إعادة توزيع الأصول غير المستغلة بكفاءة، ويعزز الاستخدام الأمثل للموارد ويقلل من البصمة البيئية. المنصات مثل (Uber) و(Lyft) و(Airbnb) لم تغير فقط القطاعات التى تعمل فيها، بل أثرت أيضًا على النماذج الاقتصادية العالمية، وهو ما يدل على القوة التحويلية لاقتصاد المشاركة.

وفقًا لأحدث الدراسات، يُتوقع أن ينمو اقتصاد المشاركة بشكل كبير على مدى العقد المقبل، مع توقعات بأن يصل حجمه العالمى إلى أكثر من 500 مليار دولار بحلول عام 2025، وهو ما يعكس أيضًا ارتفاع الطلب على النماذج التعاونية والقبول الواسع لهذا النموذج فى الاقتصاد العالمى.

ثم أن تأثير اقتصاد المشاركة يتجاوز المستهلكين الأفراد، ويمتد إلى الشركات والمؤسسات، فمن خلال اعتماد نماذج الموارد المشتركة، أصبح من الممكن للشركات مشاركة الموارد والبنية التحتية ورفع الكفاءة التشغيلية، وخفض التكاليف، وتقديم الخدمات المبتكرة. هذا النهج التعاونى الناشئ أصبح يدفع حدود الأعمال التقليدية للشركات وتوسيع قاعدة عروضها وفرص الدخول إلى أسواق جديدة.

الأثر الاقتصادى والاجتماعى والبيئي

يَعِد اقتصاد المشاركة بتحقيق التوازن بين الاقتصاد والاجتماع والبيئة، حيث يعمل على ترسيخ مبادئ المساواة وتوزيع الموارد الوطنية بشكل أكثر عدالة، ويتوسع فى تحسين ممارسات الوصول إلى الموارد والخدمات، مقللًا الحاجة إلى الاستهلاك الفردى المفرط والاستثمار فى الأصول الثابتة، ما يعزز بدوره الكفاءة الاقتصادية وتقليل الهدر، كما أنه وبميزة توفير فرص لإعادة استخدام الأصول غير المستغلة، يسهم فى تعزيز الاستدامة البيئية ويدعم الممارسات الخضراء. من الناحية الاجتماعية، يساهم اقتصاد المشاركة فى تعميق الروابط الاجتماعية من خلال تشجيع التفاعلات بين الأفراد وشرائح المجتمع، ويوفر فرصا اقتصادية لإنشاء مصادر دخل بديلة ومرنة.

اقتصاد المشاركة يُمثل تحولًا هامًا فى الطريقة التى نفكر بها حول الاقتصاد وكيفية تبادل الموارد والخدمات، بدلًا من التركيز على الملكية الفردية والاستهلاك الزائد، ويعتمد على مفهوم المشاركة والتعاون والتضامن بين الأفراد والمجتمعات لتحقيق الفوائد المشتركة.

دور الحكومات والسياسات العامة

لكى يتمكن اقتصاد المشاركة من تحقيق كامل إمكاناته، فإن الأطر والسياسات التنظيمية الداعمة تبقى من الضروريات، وينبغى للحكومات أن تعمل على بناء بيئات مُشجعة للابتكار مع حماية حقوق المشاركين والمستهلكين وضمان المنافسة العادلة. ولا بد أن يلعب صناع السياسات دوره فى تجاوز العقبات التنظيمية، خاصة المخاوف المرتبطة بالأمن الوظيفى، والحاجة إلى الشمول الرقمى. تتطلب معالجة هذه القضايا جهود تعاونية بين أصحاب المصلحة لضمان أن الاقتصاد التشاركى يفيد جميع شرائح المجتمع بدون اقصاء ويصب فى مصلحة نمو الاقتصاد الوطنى.

ما لا بد من الوعى به، هو أن اقتصاد المشاركة هو أكثر من مجرد نموذج اقتصادى جديد؛ فهو وسيلة معززة للقدرات الاقتصادية التنافسية، وتتمثل المهمة المنتظرة لصناع السياسات فى صياغة السياسات التى تغذى هذا النموذج الاقتصادى الجديد مع معالجة تحدياته، وضمان توسيع تأثيره الإيجابى على مستوى الاقتصاد الوطنى.