في خطوة تعكس توجهاً استراتيجياً لتعزيز الاستقلال المالي الأوروبي، صوّت المشرعون في الاتحاد الأوروبي، اليوم الثلاثاء، على الإطار التنظيمي لمشروع اليورو الرقمي، في مسعى لتقليل الاعتماد على أنظمة الدفع الأمريكية المهيمنة وتأكيد السيادة النقدية للقارة العجوز.
نحو نظام دفع أوروبي مستقل
يمثل اليورو الرقمي رؤية طموحة للاتحاد الأوروبي لتوفير بديل محلي موحد لعمليات الدفع الإلكتروني، سواء في المتاجر أو عبر الإنترنت. ويهدف المشروع، الذي طرحه البنك المركزي الأوروبي لأول مرة في عام 2020، إلى إنشاء نظام دفع يتسم بالكفاءة والخصوصية، مع تقليل الهيمنة المتزايدة للشركات الأمريكية مثل “فيزا” و”ماستركارد”، وكذلك أنظمة الدفع عبر الهواتف المحمولة مثل “أبل باي” و”غوغل باي”.
ويأتي هذا التوجه في ظل إدراك أوروبي متزايد بأن أنظمة الدفع ليست مجرد وسائل تقنية محايدة، بل “أدوات قوة”، على حد تعبير النائب الوسطي في البرلمان الأوروبي، جيل بوييه. وأشار المسؤولون الأوروبيون إلى الإجراءات الأمريكية الأخيرة كدليل على النفوذ الذي تتمتع به الشركات الأمريكية، بما في ذلك حالات فقدان الوصول إلى خدمات مالية أساسية مثل بطاقات “فيزا”.
آلية عمل اليورو الرقمي
على عكس الأموال المودعة في الحسابات المصرفية التقليدية، سيتم تخزين اليورو الرقمي في محفظة إلكترونية مستقلة، وسيحمل نفس قيمة النقد والأوراق المالية التقليدية. وسيتطلب استخدامه فتح حساب لدى بنك أو مؤسسة معتمدة مثل مكاتب البريد، ثم تحويل الأموال إليه.
ويؤكد المسؤولون أن النظام سيحافظ على خصوصية المستخدمين، مع إتاحة إمكانية تنفيذ معاملات دون اتصال بالإنترنت، مما يوفر مستوى حماية مماثلاً للنقد. وقد صرح أليساندرو جيوفانيني، مستشار مدير مشروع اليورو الرقمي في البنك المركزي الأوروبي، بأن العملة الرقمية “لن تحل محل أي وسيلة دفع قائمة، وسيبقى النقد متاحاً”.
تحديات التكلفة والمعارضة
رغم الدعم السياسي للمشروع، تتحفظ البنوك الأوروبية عليه، ويعود ذلك أساساً إلى تكاليف التنفيذ المرتفعة. فقد قدرت دراسة لاتحاد المصارف الأوروبية في أبريل الماضي تكلفة تكييف الأنظمة المصرفية مع اليورو الرقمي بنحو 18 مليار يورو، بينما يرى البنك المركزي الأوروبي أن التكاليف الفعلية ستتراوح بين 4 و5.8 مليار يورو فقط.
كما تعبر البنوك عن مخاوفها من احتمال انتقال الودائع من النظام المصرفي التقليدي إلى المحافظ الرقمية، مما قد يؤثر على استقرارها المالي. لكن البنك المركزي الأوروبي يرفض هذه المخاوف، مؤكداً أن تصميم النظام سيحد من تدفقات الودائع الكبيرة، حتى في الظروف الاستثنائية.
الجدول الزمني والخطوات المقبلة
يتطلع البنك المركزي الأوروبي إلى إتاحة اليورو الرقمي للمواطنين بحلول عام 2029، شريطة التوصل إلى اتفاق سياسي على الإطار التشريعي قبل نهاية العام الحالي. وفي حال الالتزام بهذا الجدول، يعتزم البنك إطلاق برنامج تجريبي في منتصف عام 2027 لاختبار آليات استخدامه عملياً، حيث ستمثل هذه الفترة فرصة للبنوك والتجار للتكيف وضمان إطلاق سلس للمشروع.
المصدر: https://bit.ly/4eIi9xO