تُحدث دولة الإمارات العربية المتحدة نقلة نوعية في قطاع الرعاية الصحية، حيث تتصدر مشهد التحول الرقمي الطبي إقليمياً وعالمياً، معتمدةً على رؤية استشرافية تجمع بين تبني أحدث التقنيات وتمكين المجتمع من التحكم بصحته. وتشير المؤشرات إلى أن الإمارات لم تعد مجرد سوق واعد للصحة الرقمية، بل أصبحت نموذجاً يُحتذى به في بناء منظومة صحية جاهزة للمستقبل، تتجاوز قيمتها السوقية التريليون دولار على المستوى العالمي، مع تركيز متزايد على الابتكار والاستدامة والذكاء الاصطناعي.
تحولات ثلاث ترسم ملامح القطاع الصحي
وفقاً للنسخة الثانية من “دراسة فيليبس لاتجاهات الصحة في الإمارات”، التي شملت عينة تمثيلية من السكان، هناك ثلاثة تحولات واضحة تعيد تعريف الرعاية الصحية في الدولة :
أولاً: الخيارات الاستباقية وتبني الصحة الرقمية
يبرز سكان الإمارات كواحدة من أكثر المجتمعات وعياً صحياً واستعداداً للمستقبل في المنطقة، حيث يؤكد 92% من المشاركين على أهمية السيطرة على صحتهم ورفاهيتهم، مما يعكس تحولاً واضحاً نحو المسؤولية الشخصية . ويتجلى هذا التوجه في أن 88% من السكان يصفون حالتهم الصحية بأنها جيدة، مع سعي غالبية المواطنين والمقيمين لتبني أسلوب حياة نشط .
ثانياً: الثقة المتنامية في الرقمنة والذكاء الاصطناعي
يكشف الاستطلاع أن 77% من سكان الإمارات واثقون من قدرة الذكاء الاصطناعي على تحسين تقديم الرعاية الصحية، بدءاً من التشخيص ووضع خطط العلاج وصولاً إلى الكفاءة التشغيلية . وقد تجاوزت الثقة بالرعاية الافتراضية هذا الرقم، حيث أعرب 79% عن مشاعر إيجابية تجاه حلول الصحة الإلكترونية والاستشارات عن بُعد .
أما على صعيد التبني الفعلي، فإن 93% من المستطلعين مقتنعون بفوائد هذه الخدمات، والتي تشمل سرعة الوصول إلى الاختصاصيين (59%)، وتوفير الوقت (58%)، وزيادة الراحة (55%) . ولا تقتصر الثقة بالذكاء الاصطناعي على التشخيص، بل تمتد لدعم استخدامه في صياغة خطط العلاج (79%)، ومراقبة المرضى عن بُعد (78%)، وتبسيط المهام الإدارية (76%) . ورغم هذه الثقة، تبرز مخاوف حقيقية تتعلق بأمن البيانات (55%) وانقطاع الأنظمة وفقدان البيانات (46%) .
ثالثاً: الاستدامة كمعيار للاختيار
أصبحت الاستدامة عاملاً مؤثراً في قرارات المرضى بشكل غير مسبوق، حيث أفاد 83% من المشاركين أنهم أكثر ميلاً لاختيار مقدمي الخدمات الصحية الذين يتبنون ممارسات مسؤولة بيئياً، بينما يعتقد 86% أن الاستدامة يجب أن تكون أولوية رئيسية للقطاع .
حجم السوق والنمو المتوقع
تقدر قيمة سوق الصحة الإلكترونية والمستشفيات الرقمية في الإمارات بنحو 620 مليون دولار، مدفوعة بزيادة اعتماد تقنيات الصحة الرقمية والمبادرات الحكومية لتعزيز الخدمات الصحية والطلب المتزايد على حلول الاستشارات عن بُعد . ويتوقع تقرير لشركة “غراند فيو ريسيرش” أن ينمو السوق من 745.7 مليون دولار في 2024 إلى 2.6 مليار دولار بحلول 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 23.5% .
وتشكل مدينتا دبي وأبوظبي القطبين الرئيسيين لهذا السوق بفضل بنيتهما التحتية الصحية المتطورة واستثماراتهما الضخمة في مبادرات الصحة الرقمية .
استثمارات حكومية طموحة
تلعب الحكومة الإماراتية دوراً محورياً في قيادة هذا التحول، حيث تم تخصيص 1.5 مليار درهم (حوالي 408 ملايين دولار) لمبادرات الصحة الرقمية مستقبلاً، لدعم تنفيذ أنظمة صحية ذكية وإنشاء مستشفيات رقمية . ومن أبرز المبادرات الاستراتيجية:
- استراتيجية الإمارات للصحة الرقمية واستراتيجية ابتكار تكنولوجيا المعلومات لهيئة الصحة بدبي 2026-2023 .
- تعزيز تطبيق “الحصن” لدعم جهود التحصين والمبادرات الصحية الاستباقية .
- توفير الميزانيات الداعمة لخدمات الاستشارات عن بُعد والسجلات الصحية الإلكترونية .
وتشير التقديرات إلى أن الإنفاق الصحي في الإمارات سيصل إلى 70 مليار درهم (نحو 19 مليار دولار) مستقبلاً، مما يعزز تطوير تقنيات الصحة الإلكترونية والمستشفيات الرقمية .
تبني واسع وثقة متزايدة
تؤكد البيانات أن الرعاية الافتراضية أصبحت جزءاً أساسياً من النظام الصحي الإماراتي، حيث تجاوز عدد الاستشارات عن بُعد 1.6 مليون استشارة . وتستهدف الحكومة زيادة تبني هذه الخدمات بنسبة 35% مستقبلاً، مما يعكس التوجه نحو حلول صحية رقمية تلبي احتياجات المرضى المتنوعة .
ويظهر الاستطلاع أن 84% من السكان يشعرون بإيجابية تجاه دور الرقمنة في الرعاية الصحية الحديثة، مما يؤكد أن الإمارات تمضي قدماً في بناء نظام صحي ذكي يرتكز على احتياجات المريض ويواكب تطلعات المستقبل .
الخلاصة: تتصدر الإمارات مشهد الصحة الرقمية بفضل مزيج فريد من رؤية حكومية طموحة، وثقة مجتمعية متنامية بالتقنيات الحديثة، واستثمارات ضخمة في البنية التحتية والابتكار. ومع توقعات بنمو السوق إلى 2.6 مليار دولار بحلول 2030، تواصل الدولة ترسيخ مكانتها كنموذج عالمي في تقديم رعاية صحية استباقية، ذكية، ومستدامة، تعيد تعريف معايير الجاهزية الطبية في العصر الرقمي.
المصدر: https://bit.ly/4eZRygQ