التحول الرقمي في مصر بين الطموحات الحكومية وعقبات البيروقراطية الورقية

مدة القراءة 4 دقائق

في مشهد يعكس التحديات التي تواجهها الدول النامية في سباقها نحو الرقمنة، يبرز ملف التحول الرقمي في مصر كساحة للجدل، متأرجحاً بين طموحات رئاسية وإنجازات حكومية معلنة من جهة، وواقع بيروقراطي وصراعات مؤسسية من جهة أخرى، مع استمرار هيمنة المعاملات الورقية على كثير من الإجراءات الحكومية.

رؤية رئاسية وانتقادات للماضي

في خطاب حديث له بأكاديمية الشرطة، جدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التأكيد على أن مصر تسلمها في حالة “مهلهلة”، مشيراً إلى الآفاق الرحبة التي تنتظر من يمتلكون أدوات المعرفة التقنية. وتحدث الرئيس عن أن “الرائد الرقمي”، الذي قد تتكلف الدولة نحو مليون جنيه لتأهيله، بإمكانه جني أكثر من ثلاثين ألف دولار شهرياً، في إشارة إلى العائد الاقتصادي المجزي للاستثمار في المهارات الرقمية.

وأشار الرئيس في خطاب سابق إلى أنه لو كانت مصر قد بدأت في هذا المسار التقني مبكراً قبل ثلاثين عاماً، لكان لها شأن آخر اليوم. لكن هذه التصريحات أثارت حفيظة المعنيين بالقطاع، وخاصة ممن ساهموا في جهود سابقة وضعت مصر في مراتب متقدمة عالمياً في مجال تكنولوجيا المعلومات قبل عام 2011.

جدل نقطة البداية والإنجازات السابقة

دفع الجدل حول بداية مسار التحول الرقمي مراقبين إلى تفنيد الادعاء بأن هذا المسار بدأ قبل عشر سنوات فقط. واستندوا إلى بيانات مؤشر “كيرني” لصناعة التعهيد، التي تظهر أن مصر لم تكن مُدرجة قبل 2007، ثم حققت مراكز متقدمة، حيث وصلت للمركز السابع في 2011. ورغم التراجع خلال الفترة من 2014 إلى 2017، تحسنت المراكز مجدداً إلى المركز التاسع في 2019 والثامن في 2023، دون استعادة مستوى عام 2011.

ويشير هذا التراجع، بحسب الخبراء، إلى أن النظام الحالي يساهم في التأخر التقني من خلال عدم التنسيق الفعال للفعاليات، وربما وجود تخطيط يستهدف إضعاف المؤسسات الوطنية لصالح جهات خارجية، مما يعكس استمرار النهج نفسه الذي أخّر البلاد تقنياً.

إنجازات ملموسة وعقبات مستمرة

رغم الجدل، تؤكد بيانات رسمية لوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أن مصر حققت تقدماً ملحوظاً، حيث وصلت الصادرات الرقمية إلى نحو 6.2 مليارات دولار، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 54% عن أعوام سابقة. كما تم تطوير قطاعات حيوية كالسياحة، وإنشاء منصة مصر الرقمية التي جذبت ملايين المصريين وساهمت في تسريع العمل الحكومي.

لكن في المقابل، تتكرر شكاوى المواطنين أثناء التعامل مع مؤسسات حكومية لا تزال تراهن على المستندات الورقية، ولا تعتد بالمستندات الإلكترونية لإنهاء الأعمال واستخراج التراخيص. ويقر خبير تكنولوجيا المعلومات، روماني رزق الله، باستمرار اعتماد قطاع واسع من مؤسسات الدولة على الأوراق، خاصة في المالية والجمارك والضرائب، مع تحفظ بعض الوزارات على نظام “الشباك الواحد” خشية تقليص صلاحياتها.

تحديات هيكلية وتوصيات

يحدد الخبراء عدة معوقات رئيسية للتحول الرقمي في مصر، تشمل نقص البنية التحتية، وارتفاع التكاليف المالية، ونقص الكوادر المؤهلة، ومقاومة الموظفين البيروقراطيين، وضعف تبادل المعلومات بين الوزارات. وينتقدون بشدة انخفاض عدد مشتركي الإنترنت المنزلي (أقل من 15 مليوناً من أصل 110 ملايين نسمة)، وارتفاع تكلفته، ونقص سرعته عن المعدلات العالمية.

ويطالب الخبراء بزيادة عدد المتخصصين في التعهيد لتجاوز نصف مليون متخصص للوصول بصادرات الصناعة إلى 10 مليارات دولار، مع ضرورة إصدار قرار قومي بحوكمة شاملة لمؤسسات الدولة، وإلزامها بالاعتراف بالمستندات الرقمية مصدراً وحيداً معتمداً للبيانات.

خلاصة: بين الطموح والواقع

يمثل التحول الرقمي في مصر نموذجاً للتحديات التي تواجه الدول التي تسعى للقفز نحو الاقتصاد المعرفي. ورغم الإنجازات الملموسة في مجالات كالصادرات الرقمية والبنية التحتية، تظل العقبات البيروقراطية والهيمنة الورقية والصراعات المؤسسية عائقاً رئيسياً أمام تحقيق طموحات التحول الشامل. ويتطلب تجاوز هذه التحديات إرادة سياسية حقيقية لإصلاح الإدارة، واستثماراً مستداماً في البنية التحتية والكوادر البشرية، مع تهيئة بيئة داعمة للابتكار والإبداع بعيداً عن البيروقراطية التقليدية.

المصدر: https://bit.ly/43PjEFr