رئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي لـصحيفة” البلاد السعودية ”:قفزات تقنية فريدة تقود للعالمية

...
التاريخ: 23 - 09 - 2022

المصدر: صحيفة البلاد السعودية

مها العواودة

د. علي محمد الخوري

باتت المملكة العربية السعودية من بين الدول الأعلى تقدما في ميدان تقنية المعلومات والاتصالات، وتشق طريقها لتكون جزءاً من المراتب المتقدمة من بين 7 دول في مجال تقنية المعلومات والاتصالات التي يطلق عليها الآن مجازاً “الثورة الصناعية الرابعة”.

وجاءت المملكة في المركز الثامن عالمياً من ناحية مدى كفاءة استخدام تقنية المعلومات والاتصالات من جانب الحكومة والهيئات الرسمية في تنفيذ أعمالها، ومدى تحسين نوعية الخدمات الحكومية للسكان في ميدان تقنية المعلومات، وفي المركز التاسع عالمياً من ناحية مدى نجاح الحكومة في تشجيع استخدام تقنية المعلومات والاتصالات.

كما احتلت المملكة المركز الـ 15 من ناحية اشتراكات النطاق العريض في الإنترنت للحاسوب المحمول لكل 100 نسمة، والمركز الـ 18 من جهة مؤشر نوعية الخدمات التي تقدمها الحكومة على الإنترنت، ويتولى هذا المؤشر تقييم تنفيذ الحكومة لمشاريع خدمات الإنترنت.

 كيف ترى رؤية المملكة الاستباقية في تجهيز البنية التحتية الرقمية ؟

تمكنت المملكة برؤيتها الاستراتيجية الطموحة 2030 من تحقيق قفزات كبيرة وملموسة وإنجازات قياسية في فوراق زمنية قصيرة. وقد أظهر تقرير المؤشر العربي للاقتصاد الرقمي الصادر في 2022، بأن المملكة قد صعدت خلال الفترة ما بين العام (2020 – 2022) من المركز الرابع إلى المركز الثاني بين الدول العربية، وهو ما يؤكد بأنها تنتهج أنماط تطويرية ومسرعات غير تقليدية.

ويبين التقرير أيضاً بأن المملكة رفعت متوسط سرعة الإنترنت من 9 ميجابت/الثانية في عام 2017 إلى 109 ميجابت/الثانية في عام 2020، وأوصلت خدمات النطاق العريض لكافة المناطق النائية لربط كافة المجتمعات والمناطق ببنية تحتية متطورة تحقق رؤية المملكة في بناء أحد أهم ممكنات الاقتصاد الرقمي والمتمثل في سرعة الاتصال بالإنترنت.

وللتعبير بشكل أكثر دقة عن النمو الجذري بالبنية التحتية في المملكة فتجدر الإشارة إلى مشروع خدمات التصديق الرقمي المعتمدة على مفاتيح التشفير العام (PKI) والذي تم تعزيزه بتأسيس المركز الوطني للتصديق الرقمي لإصدار شهادات التصديق العام في إطار باقة متكاملة من الإجراءات والبنية التحتية والتشريعات لتعزيز وتأمين المعاملات الإلكترونية؛ ومن شأن ذلك أن يقفز بكافة الأنشطة الرقمية لبعد جديد قد يكون الأكثر حداثة وفريد من نوعه إقليمياً وعالمياً.

كما ويمكن أن نلمس حجم الجدية في الحركة التنموية الرقمية في المملكة، حيث تم تشكيل مجلس إدارة هيئة الحكومة الرقمية برئاسة وزراء وكبار المسؤولين في الدولة، ويتجلى في ذلك إصرار المملكة على مواجهة وتجاوز الصعوبات والعقبات التي قد تعتري تنفيذ خططها وأجنداتها الرقمية، وهو ما نراه خطوة بغاية الأهمية لمواجهة المقاومة التقليدية التي تواجهها مشاريع التحول الرقمي حيث عادة ما نجد بأن المؤسسات الحكومية لا تنخرط في عملية التحول بالجدية الكافية، ولا تتكامل بالشكل الصحيح، مما يؤخر الخطط الحكومية في كثير من الأحيان أو يبدد الموارد على مشاريع حكومية لا تحقق أهدافها بكفاءة وفاعلية. ومن هنا فإن هذا المجلس بتشكيله يمثل قرار استراتيجي، يضع الثقل الحكومي خلف هذا التحول الرقمي بكل جدية.

 ما مدى تأثير ذلك على الحراك التنموي ؟

مما لا شك فيه أن التمكين الرقمي للخدمات والأنشطة الاقتصادية المختلفة يضاعف من القدرات الوطنية وسرعة معدلات نمو الناتج العام بحسب ما تظهره الدراسات المختلفة وتجارب الدول. كما أنه وبحسب تقرير المؤشر العربي للاقتصاد الرقمي، فإن كل (2%) زيادة بنتيجة مؤشر الاقتصاد الرقمي، سيناظرها زيادة في الناتج المحلي بحوالي (5%-%10)؛ وهو ما يشير لمدى عمق تأثير وفعالية التحول الرقمي في تعزيز الإنتاج وتنمية الاقتصادات الوطني.

وبحسب التوقعات الرسمية الصادرة عن وزارة الاتصالات السعودية، فإن معدل مساهمة الاقتصاد الرقمي سيصل إلى 25%؜ من الاقتصاد السعودي خلال الأعوام الثلاث المقبلة وهو تأثير كبير وملفت، ونتوقع من وجهة نظرنا بأنه ومع استمرار المملكة في تنفيذ خططها وأجنداتها الرقمية بالوتيرة الحالية، فإن حجم المساهمة قد يتخطى ثلث الاقتصاد السعودي بحلول العام 2030.

 تأثير ذلك على سرعة إنجاز المعاملات ؟

أقرت المملكة ضمن إستراتيجية الحكومة الذكية (2020-2024)، مبدأ “الزيارة الواحدة” والتي يقصد بها تزويد البيانات من الأفراد والشركات لمرة واحدة بلا تكرار، والاعتماد على الربط الإلكتروني بين قواعد البيانات الحكومية، وهو ما من شأنه أن يساهم في أتمتة الإجراءات وتطوير خدمات رقمية أكثر كفاءة. ومع وجود منظومة هوية رقمية موحدة في المملكة، فإن ذلك من شأنه أن يدعم مؤسسات القطاع العام والخاص تطوير خدماتها الإلكترونية وتطبيقات رقمية على منصات الأجهزة الذكية والتي لن تختصر مدة إنجاز المعاملات فحسب، بل قد تلغي الحاجة لمراكز الخدمة التقليدية.

على سبيل المثال، فلنفترض أنه وبعد تسجيل ملكية عقار ما، لن يحتاج المالك لتكرار الحصول على الموافقات البلدية مثلاً عند حاجته لتوصيل الخدمات والمرافق، فالبيانات سيتم الوصول إليها من قاعدة البيانات وبدون الحاجة لإعادة زيارة المركز البلدي الحكومي مرة أخرى، حيث ستكون السجلات مرتبطة بهوية الفرد، ويمكن التحقق من البيانات إلكترونياً، وبشكل تلقائي حسب منظومة إدارة البيانات التي تتحكم في طبيعة البيانات المتاحة حسب نوع الخدمة الحكومية.

ثم أنه ولو أضفنا المميزات الخاصة بالبنية التحتية السريعة وتوافر الإنترنت، وتنامي الخدمات الحكومية بشكل رقمي متكامل، فإن هذا سيعني كفاءة عالية وسريعة بالعمليات وتوفير كبير بتكاليف التشغيل وإصدار تلك الخدمات، مما يمكن معه تحقيق وفورات مالية بعشرات المليارات من الريالات من حيث الوقت المستهلك من المستفيدين والجهاز الحكومي لتنفيذ هذه الخدمات بشكل يدوي.

  هل تعزز القوة التقنية فعالية الأمن السيبراني ؟

مع زيادة تطور التكنولوجيات الناشئة والجديدة، فإن الحكومات والمؤسسات أصبحت أمام معترك يضم تحديات معقدة وغير مسبوقة لضمان حماية واستمرارية بنيتها الرقمية. فبقدر ما تتيحه الحلول التكنولوجية من قدرات لصد المخاطر السيبرانية المحتملة، إلا أنها تمنح وبنفس القدر أيضاً قدرات جديدة للجهات المطورة لوسائل الهجوم والخداع السيبراني.

وبحسب التقديرات العالمية، فإنه من المرجح أن يشهد سوق الأمن السيبراني وخدماته نمواً كبيراً، كنتيجة لارتفاع معدلات ومخاطر الهجمات الإلكترونية العالمية، لحماية البنى التحتية والأنظمة والخدمات من مخاطر تلك الهجمات وضمان استدامتها.

فقد أشارت دراسة أجرتها (Global Market Insights)، أن تتضاعف الاستثمارات بقطاع الأمن السيبراني وتصل إلى 300 مليار دولار بحلول عام 2024، مع ارتفاع قيمة سوق الأمن السيبراني في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى 2.89 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2026، بمعدل نمو سنوي نسبته حوالي 8٪ خلال المدة (2021 – 2026). ومن المتوقع أن يتجاوز حجم الاستثمارات بالبنية التحتية للأمن السيبراني في المملكة العربية السعودية لحوالي 30 مليار ريال بحلول عام 2023 في ظل التوسع في المشاريع التنموية والحاجة لتأمين البنى التحتية الحيوية.

لذا فإن تعزيز الأمن السيبراني والثقة الرقمية يأتيان كنتيجة استراتيجية لا تتحقق إلا من خلال خطة شاملة تشارك فيها الحكومة وقطاع الأعمال والأفراد أيضاً من خلال الوعي والثقافة الرقمية وحسن الإدراك والتدريب على مجابهة المخاطر السيبرانية. ويمكننا تلمس جهود المملكة في تنفيذ خطط وطنية عملية وجادة من خلال الهيئة الوطنية للأمن السيبراني في جهودها التنسيقية بين أطراف المجتمع ونحو تأمين البنية التحتية الرقمية، وهو ما تترجم في احتلالها المرتبة الثانية عالمياً من بين 193 دولة في محور التحسن المستمر في مؤشر الامن السيبراني لعام 2021 وفق تقرير الاتحاد الدولي للاتصالات.

 

 

الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي يتابع مع مجموعة ATDXT تنفيذ المشاريع الرقمية في الدول العربية

...
التاريخ: 13 - 09 - 2022

أبو ظبي

 

عقد الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي التابع لمجلس الوحدة الاقتصادية العربية بجامعة الدول العربية اجتماعاً تنسيقياً مع مجموعة  ATDXT، بحضور كل من سعادة د. علي محمد الخوري مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية رئيس مجلس إدارة الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي والسيد/ جي إس مارثي المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة  ATDXT وممثلين عن الجانبين.

تم عرض موقف مجموعة من المبادرات والحلول التقنية الجاري تنفيذها والخطط التوسعية المرتبطة بمراكز البيانات والخدمات السحابية بهدف دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وتحسين القدرة التنافسية في الدول العربية وتعزيز اندماجها في الاقتصاد العالمي وخاصةً في القطاعات المصرفية والتعليم الرقمي والصحة.

يأتي هذا الاجتماع ضمن خطوات الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي التنفيذية لـ “الرؤية العربية للاقتصاد الرقمي”، والتي تم الإعلان عنها في أبو ظبي بنهاية عام 2018.

الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي يوقع مذكرة تفاهم لتحديث الرؤية العربية للاقتصاد الرقمي

...
التاريخ: 01 - 09 - 2022

أبرم الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي وشركة سكوت لوجيك Scott logic البريطانية يوقعان مذكرة تفاهم تهدف إلى مراجعة وتحديث النسخة الحالية للرؤية العربية للاقتصاد الرقمي مع فريق من الخبراء الدوليين حول العالم، حيث سيقوم الفريق بالاطلاع على أحدث التقنيات والممارسات العالمية الجديدة في مجال التحول الرقمي وكذلك تأثير جائحة كوفيد على العالم لإصدار النسخة المحدثة من الرؤية والدليل الاسترشادي للبرامج المنبثقة عنها.

 

وتستهدف الرؤية العربية للاقتصاد الرقمي التي تم الإعلان عنها في ديسمبر 2018، إلى إعادة بناء وتطوير المنظومات الاقتصادية في المنطقة العربية، ودعم جهود العمل المشترك لتعزيز وتنمية الاقتصاد الرقمي، وذلك عبر مجموعة من الأهداف المنبثقة عنها التي بلغت 20 هدفًا، ومجموعة من البرامج والمشروعات المترجمة لتلك الأهداف والبالغة 52 برنامجًا استراتيجيًا، ركزت على 6 مجالات رئيسية، وذلك عقب التحليل القطاعي لأفضل الممارسات بقطاعات الأعمال، وهي: الرعاية الصحية، التصنيع، الخدمات المالية، التعليم، الزراعة، والتجارة الإلكترونية.

الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي وشركة Distichain يوقعان مذكرة تفاهم دعما لأنشطة التجارة الإلكترونية الدولية

...
التاريخ: 25 - 08 - 2022

أبو ظبي

 

أبرم الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي وشركة Distichain مذكرة تفاهم بحضور سعادة الدكتور / علي محمد الخوري مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية رئيس مجلس إدارة الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي.

تهدف الاتفاقية إلى تبني حلول التكنولوجيا الرقمية لتمكين الأنشطة التصديرية ودعم التحول الرقمي في مجالات التجارة الرقمية العابرة للحدود وبين الشركات، بهدف تقديم المزيد من الدعم ولتعزيز اتفاقية التجارة الحرة في المنطقة العربية، والربط مع شبكة دولية واسعة من الشركاء التجاريين وموفري الخدمات اللوجستية. كما تهدف هذه الاتفاقية لتمكين الربط المرن بين سلاسل التوريد، وتعزيز نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة.

من ناحية أخرى يوفر الحل التكنولوجي المقترح أطراً رقمية للتجارة بين الشركات /B2B/ متوافقة مع متطلبات الاقتصاد الأخضر.

وقع الاتفاقية كل من الأمين العام المساعد للاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي، والشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Distichain .

الأزمات العالمية المُركبة تدفع بنسب البطالة إلى 207 ملايين شخص عام 2022

...
التاريخ: 21 - 08 - 2022

القاهرة

المصدر: جريدة الأسبوع

بقلم – د. علي محمد الخوري

 

يشهد السوق العالمي أزمة معقدة الجوانب من ركود اقتصادي وتضخم بالأسعار واضطرابات بسلاسل الإمداد نتيجة جائحة “كوفيد 19” والحرب الروسية – الأوكرانية ومسلسل الصراعات الاقتصادية والأيديولوجية السياسية بين القوى العالمية والإقليمية. فقد ألقت مجريات ما يحدث على المسرح العالمي بظلالها على سوق العمل وتسببت في ارتفاع نسب البطالة بين الشباب والعاملين، حيث فقد الملايين لوظائفهم، وأغلقت ملايين الشركات حول العالم أبوابها أو أفلست لعدم قدرتها على الاستمرارية والتنافسية في ظل الظروف الصعبة والقاسية التي يشهدها العالم حالياً.

وتُظهر التقديرات بأن أعداد العاطلين عن العمل عالمياً، وصل إلى 207 ملايين شخص عام 2022 مقابل 186 مليوناً في 2019. وأن أعداد الشباب العاطلين عن العمل في عام 2022 سيتجاوز 73 مليون، وأعلى بستة ملايين من مستوى ما قبل الجائحة، وتشير التوقعات لموجة جديدة من زيادة الأعداد بالعام 2023.

على المستوى العربي، تسجل الدول العربية أعلى وأسرع معدل بطالة بين الشباب، مع توقعات بوصولها إلى 24.8% في عام 2022، ووصول معدل البطالة بين النساء إلى 42.5% في نفس العام، وهو ما يقارب ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي للبطالة للنساء البالغ (14.5%).

ويؤكد أحدث تقرير لمنظمة العمل الدولية، أن التعافي في أسواق العمل سيظل بطيئاً، وذلك مع مخاوف انتشار الأوبئة واستمرار تحديات أسواق العمل العالمية، والذي سيجعل معدلات البطالة أعلى من مستويات ما قبل “كوفيد 19” حتى عام 2023 على الأقل.

وتحذر التقارير العالمية بأن من شأن هذه النسب المرتفعة من البطالة أن تضعف النسيج الاقتصادي والمالي والاجتماعي في الدول، في وقت لا زالت فيه الآفاق هشة والطريق إلى التعافي بطيء ويسوده الضبابية وعدم اليقين.

يشهد العالم بالفعل مشاكل سياسية واجتماعية وأمنية عميقة تلحق بدورها أضراراً وتشوهات كبيرة بأسواق العمل. ليس ذلك فحسب، بل نجد أيضاً زيادة لا تقل خطراً في معدلات الفقر، وعدم المساواة.

الحقيقة الواضحة للجميع أنه لا يمكن أن يكون هناك استقرار حقيقي دون تعافي سوق العمل على نطاق واسع. ولكي يؤدي هذا الاستقرار لانتعاشٍ مستدام، يجب أن يُقوَّم سوق العمل ويستند إلى مبادئ العمل اللائق – بما في ذلك الصحة والسلامة والإنصاف والحماية الاجتماعية – وأن يدعم هذا المنهج من خلال الحوار الاجتماعي لمزيد من الفهم الصحيح والشفافية بين صانع القرار وسوق العمل بكل أصحاب المصلحة، ورؤية متوازنة تجمع صاحب العمل والعامل والمجتمع والأسرة في منظومة مترابطة المنافع بلا جور لطرف ضد الآخر. وبطبيعة الحال، يضيف كل ذلك عبئاً أكبر على راسمي السياسات لمعالجة الاختلالات في سوق العمل ووضع سياسات وطنية قصيرة وطويلة المدى للحد من فجوة التشغيل.

من الناحية العملية، وما هو واضح لنا هو أن الضرر على سوق العمل سوف يحتاج سنوات عديدة لإصلاحه، وسيترتب على ذلك من عواقب طويلة المدى على القوى العاملة، ودخل الأسرة، والتماسك الاجتماعي وربما السياسي.

ما ينبغي أن يعيه راسموا السياسات جيداً هو أن للبطالة آثار سلبية عديدة على الفرد والمجتمع، قد تتمثل في أبسط أشكالها بالاكتئاب وتؤثر في الصحة العقلية وارتفاع معدلات الجريمة وصولاً إلى التأثير في إنتاجية وتنافسية اقتصادات وأمن الدول.

ولإنقاذ سوق العمل، وتقليل فجوة البطالة الراهنة بين الشباب والقوة العاملة، لا بد من تطوير رؤى وخطط وطنية وإقليمية واضحة تسعى لإيجاد حلول حقيقية – وليست بندولية – من أجل فتح آفاق اقتصادية مختلفة لاستيعاب الأعداد المتفاقمة من العاطلين وتهيئتهم وتطويرهم لسوق العمل؛ وحتى لا يكون ملايين الشباب العاطل عن العمل بارود كامن قابل للإنفجار، ويدمر المجتمعات، ويكون سبباً في إحداث القلاقل والمشكلات للحكومات – خاصة في الدول الفقيرة – الغير قادرة على استيعاب الشباب والعاطلين عن العمل ببرامج الحماية المجتمعية المختلفة واختيار الحلول التي تتركهم للمجهول.

نحن بحاجة لمضاعفة قدراتنا على تنمية الأعمال وتأسيس الشركات والمؤسسات والمصانع التي يمكنها استيعاب العمالة المتزايدة بسبب زيادة المواليد وتشغيل العاطلين عن العمل. من هنا يجب أن يعاد النظر بشكل جذري وحاسم في السياسات الحكومية الرامية لتشجيع الاستثمار الأجنبي والمحلي.

ويطرح هنا السؤال نفسه، هل بالفعل دولنا جاذبة للاستثمار مقارنة بالدول الأخرى؟ وهل تم تهيئة الدولة وبنيتها التحتية والتشريعية والاجتماعية كأحد ممكنات الاقتصاد الوطني ولتساعد المستثمر أن يتواجد وبفكر استراتيجي طويل المدى؟

إن لم تكن الإجابات على مثل هذه التساؤلات صريحة وواضحة وشجاعة – إما بالإيجاب أو النفي – فإن التحديات الاجتماعية والاقتصادية ستستمر في خط سير التفاقم وستضع الدول في دوائر متعثرة سترميها حتماً في أحضان مستقبل غامض ومقلق، وستأتي الحلول حينها بتكلفة باهظة جداً!

الصراعات الاقتصادية بين القوى الدولية تدفع بسيناريوهات ومشهد عالمي جديد ومقلق

...
التاريخ: 04 - 08 - 2022

القاهرة

المصدر: جريدة أخبار اليوم

د. علي محمد الخوري

الرؤية المتعمقة للأحداث الجارية على المسرح الدولي، تقطع يقيناً بأن الاقتصاد العالمي يمر بحالة صراع شديدة ومعقدة بين القوى الاقتصادية العظمى. انسحبت آثار هذه الصراعات على الاقتصاد العالمي بوضوح عقب الحرب الروسية-الأوكرانية – التي تعد الأكبر في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية – وتسببت في أزمة اقتصادية عالمية ارتبطت بإمدادات الغذاء والطاقة ودفعت بمجريات لم تكن متوقعة مثل ارتفاع نسب التضخم التاريخية التي أصبحت تهدد المكون الاجتماعي وبالتبعية استقرار الحكومات؛ مع اندلاع المظاهرات في كثير من عواصم العالم مؤخراً والمنددة بالارتفاعات الجنونية في الأسعار.

ولعل ما يشهده الاقتصاد العالمي من انتكاسة كبيرة، نتيجة الغزو الروسي لأوكرانيا، في ظل تجميع أمريكا لمعسكرها ضد روسيا ومن يعاونها، واستخدام روسيا للغذاء والغاز والبترول ككروت حرب تكتيكية في الصراع، نتجت عنها تداعيات اجتماعية وإنسانية مباشرة وفادحة، لن تؤدي إلى إبطاء النمو الاقتصادي فحسب، بل وإلى سيناريوهات مستقبلية مُقلقة، وسط ما يشهده العالم من مجموعة لا متناهية من الأزمات والصراعات الطاحنة، والتي وفيما يبدو لن تسمح بخروج أحد منها منتصراً.

ومن الواضح بأنه لن يسلم أحد من دفع ثمن الأزمة الراهنة! حيث تؤكد التقارير العالمية بأن الحرب القائمة والعقوبات المفروضة على المعسكر الروسي، وما سبقه من تداعيات جائحة “كوفيد- 19″، ستتسبب في انكماشات حادة في معدلات النمو العالمية، حيث انخفضت توقعات النمو العالمي إلى 3.6% لعامي 2022 و2023. ووجدت كيانات عظمى مثل دول الاتحاد الأوروبي نفسها عالقة في مرمى النيران المشتعلة في الحرب الدائرة، التي انخفضت توقعات النمو بها للعام الجاري بمقدار 2.7%، وارتفاع معدل التضخم إلى 6.1%.

والحال سواء في دول العالم أجمع وإن لم يكن لها في الأمر لا ناقة ولا جمل! فقد أدت الحرب إلى تفاقم سلسلة صدمات مزقت العديد من سلاسل الإمدادات السلعية والمالية التي لحقت بالاقتصاد العالمي، والذي أحدث ارتفاعات حادة في الأسعار وتأثر بها مستوردي السلع الأولية، خاصة في أوروبا، والقوقاز وآسيا الوسطى، والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فضلاً عن تأثير ذلك على ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والإضرار بالأسر ذات الدخل المنخفض على مستوى العالم، والتي تنبئ بحدوث مجاعة في كثير من دول العالم؛ وهو الذي ظهرت أول آثاره في وصول سريلانكا لحافة الإفلاس، وكانت آخرها الصومال التي أعلن رئيسها منذ أيام دخول البلاد في مجاعة.

ما لا شك فيه، أصبحت الضغوط التضخمية تشكل خطراً واضحاً وحاضراً في بلدان عديدة، نتيجة ما نراه من الصراعات الدولية المحتدمة، وهو ما قد يؤدي بطبيعة الحال إلى استمرار صعود معدلات التضخم، وارتفاعات جديدة وأكثر حدة ستؤدي إلى المزيد من الارتفاع في أسعار المواد الأولية واختلالات العرض والطلب، والذي سيضغط على الإنتاج ويحد من كفايته لاحتياجات السوق، واتجاه البنوك المركزية إلى تشديد سياساتها النقدية وهو ما قد يعرض الأسواق المالية للهبوط والركود الاقتصادي -بشكل متعاقب- والذي سيجر معه قاطرة معدلات البطالة المتدهورة في الأصل!

إن طبيعة الأزمة الراهنة خطيرة جداً عالمياً، مع دخول أقطاب كثيرة في اتجاهات الصراعات العالمية – الأقطاب التكنولوجية والاقتصادية والسياسية – من بينها الصين بحكم قربها من روسيا المواجه للمعسكر الأمريكي الأوروبي، والتوتر الأمريكي-الصيني في تايوان، والتحشيد الحدودي بين صربيا وكوسوفو، والأخرى ما بين دول عديدة، وتوقع استمرار الحرب الروسية-الأوكرانية، يدعونا للقول بأن ما سيشهده الاقتصاد العالمي لن يقف عند أعتاب التضخم الكبير المتوقع في السنوات القادمة، بل من شأنه أن يتسبب بكساد اقتصادي عالمي، أشبه بكساد  ثلاثينيات القرن الماضي، والذي نتج عنه انهيار اقتصادي عالمي، أعقبه حرب عالمية ثانية مدمرة ظلت آثارها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لعقود طويلة.

إن ما يجري على الساحة الدولية، وفي ظل استسهال اللجوء للسلاح والصراع المكشوف، والحروب الاقتصادية التي لا تقبل بمبدأ الوفرة والنجاح للجميع بل تسعى لصور الصراع القديمة الأكثر بدائية والتي تقضي بضرورة الوصول لمنتصر مقابل مهزوم سيرفع من احتمالات الصراعات المستقبلية وينذر أيضاً بما هو أخطر، وهو تحول هذه الصراعات – سواء كانت تلك الظاهرة والمعلنة أو المكتومة والتي كانت مؤجلة أو يتم معالجتها بطرق دبلوماسية – إلى حرب كونية تدمر العالم وتندفع فيها الحكومات للدخول في حلبة الصراع المكشوف استغلالاً لحالة الفوضى العالمية، وفي ظل وجود آلاف القنابل النووية والعنقودية والبيولوجية في شتى أنحاء العالم، سنواجه جميعا احتمالات خطيرة جدا تؤول إلى تدمير البشرية والحضارة الإنسانية والتي ستأخذ في طريقها من قرر المشاركة في الحروب أو آثر السلم والحياد!

يوجب تفاقم هذه المخاطر اليوم على العقلاء من رجال الحكومات ومؤسساتها، والمفكرين، وخاصة مراكز الدراسات الاستراتيجية ودعم القرار، وكذلك منصات الإعلام لاستخدام الدبلوماسية الناعمة وتغليب لغة العقل والحكمة والسلام بين الفرقاء في معالجة الصراعات الاقتصادية والسياسية من خلال إيجاد حلول جذرية منطقية تسمح باستعادة مبدأ النجاح والفوز للجميع بدلاً من نهاية تكون فيها الهزيمة والدمار للجميع.

الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي ينشر دراسة عن الحرب الروسية – الأوكرانية

...
التاريخ: 29 - 07 - 2022

طرح الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي دراسة بعنوان: “الحرب الروسية – الأوكرانية وتأثيراتها على الدول العربية”. وتتعرض الدارسة لعدد من النقاط الهامة والتأثيرات الناتجة عن الحرب الروسية – الأوكرانية على العالم والمنطقة العربية والمرتبطة بالمجالات الاقتصادية والإنمائية.

وتشير الدراسة إل أن تأثير الحرب الروسية – الأوكرانية على الاقتصاد العالمي كبير جداً، حيث تمثل روسيا وأوكرانيا أهمية كبيرة في الأسواق العالمية للغذاء والطاقة، وأن اندلاع الحـرب أدى  إلـى ارتفاعات وتقلبات كبيرة في الأسعار العالمية للسلع الأساسية والمحروقات وزيادة الضغوط التضخمية؛ وتفاقم الاضطرابات فـي سلاسل الإمدادات  العالمية؛ وتراجع عائدات السـياحة الدوليـة، فضلاً عن مسلسل التبعات الذي ما زال مستمراً وينذر بمستقبل لم يعد ممكناً معه طرح سيناريوهات متفائلة لتفادي النتائج السلبية للأزمة الراهنة.

وتوضح الدراسة بأن العالــم مقبـل علــى أزمــة غـذاء وأن الأزمات الاقتصاديــة المتتالية باتت توشــك علــى طحن العالم بأسره، وقــد يحفز ذلــك خــروج شعوب الدول الفقيرة بشكل خاص في ثورات علــى حكوماتها، بــل ومــن المحتمــل جــداً أن تنتقل الفوضـى إلــى دول أخــرى بالتدريج، واستعرضت بعض من الأحداث الفوضوية التي عمت عواصم العالم في الشرق والغرب، والتي تؤكد نظرية أن ارتباط النظـام الاقتصـادي العالمـي ببعضه لن يترك أي دولــة بمنأى عمــا يحــدث فيــه.

كما وتتناول الدراسة آثـار الحـرب الروسـية – الأوكرانية علـى الموازنات العامـة في الـدول العربيـة باختلاف صافـي الصادرات النفطية لـكل منهـا، وأنه من المتوقع أن تحقـق الـدول العربيـة المصدرة الصافية للنفط مثل: الكويت والعراق والسعودية وعمان والإمارات وقطر والجزائر – والتي تستحوذ على أكثر من 40 % من الاحتياطيات العالمية – فوائض مالية كبيرة نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية للطاقة. وأنه وفي الجهة، المقابلة، ستواجه الدول العربية المستوردة للنفط ضغوطاً أكبر على ميزانياتها المالية وأنها ستشهد عجوزات قد تعيقها من تحقيق مستهدفاتها التنموية، بل وتجعلها عرضة لمخاطر مالية أكبر.

وتقدم الدراسة عدد من التوصيات لتعزيز قدرات الدول العربية على إدارة تداعيات الحرب الروسية -الأوكرانية وتؤكد في مجملها على ضرورة إعادة ضبط البوصلة العربية نحو التنمية المستدامة المرتكزة على النتائج وتغيير الواقع المحلي محل اهتمام المواطنين، والاستفادة من القدرات العربية من خلال التعاون البناء والمشترك لمواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية، بما يحفظ أمن ومستقبل المنطقة العربية ككل.

 

لقراءة الدراسة:

https://arab-digital-economy.org/wp-content/uploads/2022/07/2022-3.pdf

الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي ينشر دراسة حول الأسس الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي

...
التاريخ: 29 - 07 - 2022

أصدر الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي دراسة جديدة بعنوان: “الأسس الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي في ظل جائحة كوفيد19” تتناول عدد من المحاور الاستراتيجية الهامة والتوصيات لمتخذي القرار وراسمي السياسات في الدول الخليجية والمنطقة العربية.

وتشير الدراسة إلى أنه ووفق بيانات التقارير الدولية فإن الأزمة الاقتصادية التي بدأت في عام 2020 أدت إلى فقدان أكثر من ربع مليار وظيفة دائمة، وارتفاع معدلات البطالة العالمية إلى نحو  200 مليون شخص، ودفعت بأكثر من 10 مليون إنسان في دائرة الفقر المدقع. كما وأنه ووفق إحصاءات البنك الدولي، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يوجد بها أعلى معدل بطالة بين الشباب في العالم، بنسب تصل إلى 30٪.

وتتطرق الدراسة إلى الأزمة الاقتصادية الحالية وتأثيرها على المشهدين العالمي والعربي، ثم تتعرض لبعض الأسس الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي، ومدى اعتماد اقتصاداتها على مصادر الدخل الهيدروكربونية، وتسلط الضوء كذلك على عدد من أهم التحديات التي تواجهها الدول الخليجية، وفي وقت تتزايد فيه حدة وتعقيد التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية.

وتشير الدراسة إلى أن مصادر الدخل الرئيسية في الدول الخليجية والمنطقة العربية ما زالت ريعية أو ذات انتاج أولي يفتقر للقيمة المضافة المرتكزة على المعرفة.

وتؤكد الدراسة أهمية إعادة النظر في النماذج الاقتصادية الحالية، وتبني سياسات التنويع الاقتصادي والتحول نحو الاقتصاد الإنتاجي المرتكز على القيمة المعرفية المضافة في ضوء الإمكانات الهائلة للسوق الخليجية والعربية

كما وتوضح الدراسة أهمية بناء منظور للصورة الكلية ودور الاقتصاد الرقمي في تسريع وتيرة النمو والتنمية، خاصة المرتبطة بالطاقات الإنتاجية العربية وحجم الصادرات، وتحقيق مستهدفات الاكتفاء الذاتي ومعالجة المتطلبات التنموية المتمثلة في خلق فرص عمل ورفع مستويات الدخل والمعيشة.

وتختتم الدراسة بتقديم قائمة من التوصيات لراسمي السياسات ومتخذي القرار حول متطلبات الإصلاح اللازمة لتحفيز النمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي والمنطقة العربية ككل.

 

لقراءة الدراسة:

https://arab-digital-economy.org/wp-content/uploads/2022/07/2022-2.pdf.pdf

مقالة: التحولات العالمية في المفاهيم والممارسات

...
التاريخ: 27 - 07 - 2022

أبوظبي

المصدر: جريدة الاتحاد

د. علي محمد الخوري

 إذا أردنا فهم الحاضر والاستعداد للمستقبل، فعلينا أولاً استيعاب الأحداث التاريخية المستندة إلى الحقائق بوقائعها وتفاصيلها.

وبقراءة تاريخية سريعة نجد أن العالم في القرن الأخير مَرّ بحربين عالميتين كبيرتين، وكوارث طبيعية عدَّة أبرزها وباء الإنفلونزا الإسبانية، وشهد كَبَوات اقتصادية مريرة، أُولاها الكساد العظيم بعد الحرب العالمية الأولى. وها هي البشرية بعد قرن من الزمان تعيد -فيما يبدو- المرور بالحلقات التاريخية نفسها، ولكنْ بشكل جديد.

ونقطة الاختلاف هنا تكمن في التطورات التكنولوجية الكبيرة التي وسَّعت آفاق المعرفة في مجتمعاتنا، فأصبح ممكناً استيعاب التجارب السابقة استيعاباً أفضل نسبيّاً، ولا شكَّ في أن امتلاك الخبرة الناتجة من تلك التجارب ينفع البشر حتمًا عندما تتكرَّر مرة أخرى، ولا سيَّما إذا كانت التحديات كبيرة، مثل جائحة كورونا، وتجاذبات الحرب الروسية-الأوكرانية، والحرب الاقتصادية التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية، التي تتسم بطول الأمد والبرود أحياناً، ولكنها قابلة للاشتعال في أي وقت.

وقد أسهمت هذه التحديات إجمالاً في تغيير المشهد العالمي، الذي عرف استقراراً كبيراً في العقود الثلاثة الأخيرة، ولا سيَّما بعد نهاية الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي في أوائل تسعينيات القرن الماضي. وتميزت هذه العقود الثلاثة بسمات أساسية يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

1. العولمة: أدَّت إلى زيادة كبيرة في حرية التجارة وانسيابها بين دول العالم، فازداد اعتماد بعض الدول على دول أخرى من دون اكتراث لكونها بعيدة أو قريبة.

2. التطور الكبير في التكنولوجيا والانتقال بقدرات الحواسيب إلى آفاق جديدة: غزت التكنولوجيا كل مناحي الحياة، وسيطرت على جميع الأنشطة البشرية تقريباً، وحوَّلت الاقتصاد إلى مفهوم الاقتصاد الرقمي.

3. القطبية العالمية الواحدة: انعكست آثارها ضَعْفاً أصاب تكتلات إقليمية وجغرافية كبيرة، مثل جامعة الدول العربية، والاتحاد الإفريقي، واتحاد دول جنوب شرق آسيا، وحتى الاتحاد الأوروبي. وهنا ينبغي طرح السؤالين الآتيين: ما تقييمنا للمتغيرات التي نلحظ ملامحها تتقدَّم في ظل ما يشهده العالم الآن؟ وما مدى إدراكنا لتبعاتها؟

الحقيقة أن العالم تضرَّر كثيراً من الأزمات التي عصفت به، وأصبح الاقتصاد العالمي يئنّ -بشدةٍ- من وطأتها، ولذا بدأت الحكومات تتجه إلى تخفيف الأسباب التي أدَّت إلى الحرب الروسية-الأوكرانية، ومنها الاتجاه العالمي إلى استعادة أجواء الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي، بما لا يسمح باندلاع حرب عالمية ثالثة.

وإذا كان ذلك هو ما تُصر عليه دول وتكتلات عالمية ترى أهميةَ سَبْر غمار الصراع حتى النهاية، على أمل أن تكون النتيجة نصراً اقتصاديًّا يتحقق بانهيار طرف قبل الآخر، فهل يمكن عَدّ المنطقة العربية طرفاً حقيقيّاً في هذا الصراع؟

وكيف يمكن أن تنأى دولها بنفسها عنه ولا سيَّما أن كثيراً منها تعاني اقتصاديّاً؟ في الواقع لا بدَّ من إقرار حقيقتين، أُولاهما أن دولنا العربية ليست طرفًا في ذلك الصراع، وأن كثيراً من دول العالم ترغب في الإفلات من مراحل العصر المتتالية، التي تضغط على الاقتصادات والشعوب بشدة، وتستخدم سياسة حافة الهاوية.

والثانية أن دولنا لا ترغب في مزيد من التعطل في سلاسل الإمداد، ولا في مزيد من ارتفاع معدلات التضخم الذي لم تسلم منه حتى الدول المصدّرة للنفط والغاز. ونظراً إلى ترابط شبكة المصالح العالمية، فإن أحد أهم الحلول المطروحة هو تفكيك العولمة، وتحويل العالم إلى مراكز اقتصادية إقليمية تجعله أكثر أمناً وأقل خطورةً، ما يوفر البديل في حال تعطُّل المصادر الإنتاجية الرئيسية.

وأخيرًا نستعرض أبرز المتغيرات الاستراتيجية التي تُمكِن ملاحظتها اليوم، ويُعتقَد أنها ستترسَّخ في العقدين المقبلين:

أولاً: توجّه العالم نحو تعدُّد المراكز القطبية، وهذا يعني مزيداً من الحرية والتوازن في العالم، ويمنحنا فرصًا للبحث العلمي، والتطوير، والتحالف الإقليمي.

ثانياً: نشوء مناطق اقتصادية إقليمية عالمية، ويُتوقَّع تعزيز واقع التعاون العربي-العربي، والعربي-الإفريقي في الميدان الاقتصادي والتكامل الإنتاجي، برغم استمرار العولمة، ولكنْ مع تخفيف مخاطر الاعتماد الأحادي الذي عرَّض صناعات لمخاطر التوقف لأدنى نقص في المكوّنات!

ثالثاً: التوجه نحو مزيد من الاندماج التكنولوجي وتعزيز الواقع الرقمي، نظراً إلى العائد الاقتصادي الكبير المتوقَّع منه، مع إيلائه التأمين اللازم، ضماناً لاستمرار الأعمال، فتوطين التكنولوجيا أصبح خياراً لا مفرّ منه.

مقالة: الاقتصاد الرقمي

...
التاريخ: 26 - 07 - 2022

أبو ظبي

المصدر: مفكرو الإمارات

د. علي محمد الخوري

ارتبط الاقتصاد دائمًا بقدرة الإنسان على العمل والإنتاج بوجه عام؛ فبدأ الاقتصاد تاريخيًّا معتمدًا على الزراعة والرعي وتبادل المنتجات، وتطور بمرور الوقت مع ظهور مجتمعات كبيرة ومنظمة؛ فظهر الاقتصاد القائم على التجارة والسوق، وظهرت معه العُملات، وفُرضت الضرائب والمكوس (الجمارك) في القرون الوسطى.

وفي مرحلة لاحقة ظهر “الاقتصاد الإقطاعي”، الذي اعتمد على الملكيات الكبيرة والمزايا؛ وهو ما ساعد على الانتقال إلى عصور الاكتشافات الجغرافية، وتأسيس الشركات الكبيرة العابرة للقارات، وتطور مفاهيم الإدارة وأساليبها.

وتطور الاقتصاد في القرنين الماضيين مع ظهور الثورة الصناعية الأولى، وبروز المحرك البخاري، وما تلاه من تأسيس للمصانع والمتاجر الكبيرة، وإنشاء الدول الحديثة. واستمر التطور والتحديث مع انطلاق الثورتَيْن الصناعيتَين الثانية والثالثة؛ ثم الثورة الرابعة أخيرًا، التي قادت العالم إلى الاقتصاد الرقمي، وجعلت الآلة الحاسوبية والإنترنت وسيلة للحياة.

وينقسم الاقتصاد الرقمي إلى قسمين أساسيين هما:

1. الاقتصاد الرقمي المباشر، وهو ناتج الأنشطة المُطوَّرة والمُنتَجة للأجهزة الحاسوبية والرقمية، وتطوير البرمجيات، وحصيلة بيعها وصيانتها، وخدمات ما بعد البيع؛ ويُمثّل نحو 20 في المئة من الاقتصاد الرقمي.

2. الاقتصاد الرقمي غير المباشر، وهو ما نحصل عليه برقمنة الأساليب التقليدية للإنتاج وتقديم الخدمات والأنشطة الاقتصادية، أو ظهور أنشطة جديدة تعمل بالإنترنت؛ ويُمثّل نحو 80 في المئة من الاقتصاد الرقمي.

ويُعَدّ الاقتصاد الرقمي بقسمَيْه من أسرع الاقتصادات نموًّا في العالم إذا قارنَّاه بأقسام الاقتصاد الأخرى، مثل الاقتصاد الزراعي أو الصناعي أو الخدمات. وبحسب ما جاء في مبادرة “الرؤية العربية للاقتصاد الرقمي”، التي أطلقها الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي في نهاية عام 2018 بمدينة أبوظبي، برعاية صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله؛ ستحتاج أي دولة تريد الوصول إلى نضج جيد، ونمو سريع، وفاعليَّة كاملة في الاقتصاد الرقمي إلى خمس ركائز هي:

1. البنية التحتية: تعني توافر مقومات شبكات الاتصالات المؤمَّنة والواصلة بسرعة وكفاءة معقولتين إلى جميع أنحاد البلاد، إضافة إلى التشريعات الكافية للعمل وفق مقومات الاقتصاد الرقمي.

2. تحفيز الإبداع والابتكار ودعمهما: يتمثّل في تسخير المعرفة لإيجاد ميزة تنافسية؛ وهو ما تُمكِن رؤيته مثلًا في تقييم شركة ناشئة تبدأ باستثمار يُقدَّر بمليون دولار في عامها الأول، ثم تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات في بضعة أعوام.

3. الحكومة الرقمية: تُظهِر دور الحكومة في دعم القطاع الخاص والفرد رقميًّا، وتشجيع الخدمات الرقمية على مدار الساعة، وتوفيرها لكل مواطن عن طريق هاتفه النقال.

4. الأعمال الرقمية: تُعَدّ الأساس الذي نسعى إليه، ومن أبرز مظاهرها التجارة الإلكترونية، واختراق التطور الرقمي جميع قطاعات الأعمال مثل التعليم والصحة والزراعة والصناعة وغيرها، بالاستفادة من إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي.

5. المواطن الرقمي: تهتم هذه الركيزة بتحقيق هدف الدمج الرقمي للمجتمع (Digital Inclusion) لغايات تحسين جودة الحياة، وتسهيل ظروفها، وتأمين خصوصية الفرد وحمايتها بالقانون.

ويبقى الإنسان هو أداة التطوير الرئيسية في عالم الاقتصاد الرقمي؛ فهو مصدر الإبداع والابتكار والتطوير، ومن غير التعليم الصحيح والوصول إلى المواطن الصالح الذي يسعى إلى تطوير بلده، فلن يكون كافيًا استيراد التكنولوجيا لإنجاز أهداف الاقتصاد الرقمي، وإنجاحه في تحقيق أي نمو اقتصادي ملموس.

وإذا أردنا النجاح وامتلاك اقتصاد رقمي متين ومستدام، وجب علينا تأهيل الإنسان المعرفي القادر على تحصيل العلم وتطويره لخدمة أمته ودولته، والانتباه إلى أهمية الاحتفاظ بالكفاءات ذات الخبرة والاختصاص واستدامتها، وليس تأهيلها فحسب؛ وذلك بتوظيفها التوظيف الأمثل، وإيجاد فرص عمل متكافئة تلائم تخصصاتها.

واليوم تتسابق دول العالم، ولا سيَّما المتقدمة منها، في إطلاق مبادرات وتقديم حوافز مُغرية جدًّا لجذب الكفاءات العلميَّة، وخاصة في مجال التكنولوجيا الرقمية، للهجرة إليها والاستقرار فيها. وما لم تَحْذُ الدول الأخرى حذوها، فستبقى في عجز مستمر عن بناء منظومات تنموية مستقرة ومستدامة.