البنية غير المرئية للمخاطر في الاقتصاد العالمي

مدة القراءة 10 دقائق
أبوظبي

مفكرو الإمارات

أ.د. علي محمد الخوري

لم يعُد من الممكن قراءة مدى استقرار الاقتصادات من خلال مؤشرات النمو، أو مستويات الأسعار في الأسواق؛ لأن هذه المؤشرات تعكس جانبًا محدودًا من الصورة الحقيقية، وتَغفل عن واقع مختلف لن يكتمل تفسيره من دون تحليل البنية الداخلية لمكوناته. لقد تجاوز النظام الاقتصادي المعاصر، كما تشير إليه دراسات الاقتصاد السياسي الدولي، نطاقه التقليدي منظومةً لإدارة المال والإنتاج وتوزيع السلع والخدمات، وتحول إلى منظومة أكثر تركيزًا على إدارة المخاطر، وإعادة توزيعها داخل النظام الاقتصادي؛ وغالبًا بشكل غير ظاهر. ولا يكمن السؤال هنا في حجم المخاطر التي يواجهها الاقتصاد العالمي؛ بل في الكيفية التي تُنتَج بها هذه المخاطر داخل النظام، والتي أصبحت ذات تأثير مباشر في تشكيل بنية المجتمعات وتوازناتها.

الاختلالات المالية بين مستويات الدين والنمو الاقتصادي

يمكن فهم ذلك بشكل أدق عند النظر إلى كيفية عمل النظام الاقتصادي اليوم؛. فمع التوسع في استخدام الأدوات المالية، وازدياد الترابط بين الأسواق، وارتفاع مستويات الدين؛ أصبح النظام أقدر على استيعاب الصدمات في المدى القصير؛ ولكنه في المقابل أصبح يعتمد بشكل متزايد على آليات تركز على تجاوز آثار الأزمات بدل المعالجة، وإيجاد الحلول الكاملة. وهذا يعني أن الأزمات لا تختفي بالضرورة؛ بل تنتقل من مكان إلى آخر داخل الاقتصاد؛ فتظهر لاحقًا في أشكال مختلفة.

ويظهر هذا بوضوح عند النظر إلى مستويات الدين العالمي؛ إذ تكشف بيانات صندوق النقد الدولي أن إجمالي الدين العالمي العام والخاص وصل إلى مستويات قياسية جديدة، تفوق 235% من إجمالي الاقتصاد العالمي، ليبلغ نحو 251 تريليون دولار. وهذه الأرقام تبين بوضوح أن حجم الالتزامات المالية ينمو بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصادات على إنتاج قيمة حقيقية؛ وهو ما يشير إلى خلل لا يرتبط بحجم الدين فقط، بل بطبيعة العلاقة بين التوسع المالي، والاقتصاد الحقيقي.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية والتساؤلات الجدية حول مدى قدرة هذا المسار على الاستمرار؛ فكلما اتسعت الفجوة بين ما تدين به الدول والتزاماتها المالية؛ وما تنتجه فعليًّا؛ زادت احتمالات الضغوط التي قد تتحول، مع الوقت، إلى أزمات تعيد اختبار توازن الأنظمة الاقتصادية، وقدرتها على الصمود.

وبالتزامن مع هذه المعطيات يستمر النمو الاقتصادي العالمي عند مستويات محدودة -بنحو 3.2%، مع احتمال تراجعه في بعض التقديرات إلى 2.6% -؛ وهو ما يكشف عن تباين واضح بين مسار الديون، ومسار الإنتاج. ولا يمكن فهم هذا التباين، أو تفسيره، بالأطر التقليدية للدورات الاقتصادية؛ إذ إن طبيعتها تشير إلى أن الإشكالية متصلة ببنية النظام الاقتصادي نفسه؛ وطريقة تشكّله؛ وليس بالمتغيرات الظاهرة فيه فقط.

انتقال المخاطر داخل الاقتصاد العالمي

عند النظر إلى بنية هذا النظام يتضح أنه يقوم على مجموعة من الآليات، التي تسمح له بالحفاظ على قدر من الاستقرار الظاهري؛ برغم استمرار تراكم المخاطر الداخلية، التي لا تظهر إلا عند تعرضه للصدمات. وهذه الآليات تشكل ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد قائم على تأجيل المخاطر”؛ إذ يتم التعامل مع الأزمات عبر نقل آثارها، وإعادة توزيعها، بدل معالجتها بشكل مباشر.

وتبدأ ذه البنية من نقطة تتصل بكيفية تحديد القيمة في الاقتصاد؛ فسابقًا كانت قيمة الأصول تُقاس وفق معايير واضحة يمكن التحقق منها. أما اليوم، ومع تعقّد الأصول المالية، وتوسع الأسواق غير التقليدية؛ فقد أصبح جزء متزايد من هذه الأصول صعب التقييم، أو غير واضح الملكية، خاصة في الأسواق الخاصة، والهياكل المالية العابرة للحدود، وفي بيئات تفتقر إلى الشفافية الكافية. ولا يؤثر هذا التحول في كفاءة الأسواق فقط، بل ينعكس على قدرة الدولة على فهم حركة الموارد داخل الاقتصاد أيضًا.

ومع تراجع وضوح المعلومات حول الأصول، وحركتها؛ تتقلص قدرة الدولة على تحصيل الإيرادات، وتنظيم النشاط الاقتصادي؛ ما يحدّ من فاعلية السياسات المالية الوطنية. وفي ظل هذا الواقع تتاح فرص أكبر لفئات محددة للتحرك خارج نطاق الرقابة؛ ما يؤدي تدريجيًّا إلى تزايد تركّز الموارد المالية في يدها؛ وهو ما يمنح هذه الاختلالات التنظيمية أثرًا مباشرًا في كيفية توزيع الموارد والفرص داخل الاقتصاد.

ولا تتوقف آثار هذا التحول عند مستوى القيمة؛ بل تمتد إلى الكيفية التي تؤثر بها السياسات النقدية، وخاصة أسعار الفائدة، في الاقتصاد؛ فمع ارتفاع مستويات الدين، وخاصة لدى الأسر، التي تتجاوز في بعض الاقتصادات 70% من الناتج المحلي؛ تصبح أي زيادة في أسعار الفائدة ذات أثر مباشر في تراجع الدخل والإنفاق، وتزايد الضغوط المعيشية. وبدل أن تظل هذه السياسات أداة لضبط التوازن الاقتصادي تتحول إلى وسيلة لنقل المخاطر من النظام المالي إلى الأفراد.

وهنا تظهر واحدة من أبرز سمات النظام المالي المعاصر؛ فبدلًا من توزيع المخاطر بشكل متوازن بين الأطراف المختلفة؛ تميل البنية الحالية لتحميل المقترضين الجزء الأكبر من هذه المخاطر، وخاصة الأسر؛ وهو ما يجعل الاستقرار الاقتصادي قائمًا على قدرة هذه الفئة على امتصاص الصدمات.

أمّا على مستوى الدول؛ فتتخذ هذه الظاهرة بُعدًا أكثر تعقيدًا، وخاصة أن حجم الدين العام العالمي بلغ نحو 111 تريليون دولار في عام 2025؛ ما يعادل حجم الاقتصاد العالمي نفسه تقريبًا. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن العديد من الدول النامية أصبحت تسدد ديونًا تفوق ما تحصل عليه من تمويل جديد، وأن البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل سجلت بين عامي 2022 و2024 صافي تدفقات مالية خارجة بنحو 741 مليار دولار؛ وهو ما يعني أن الموارد المالية للدول المقترضة أصبحت تتجه إلى الخارج بدل أن تُستخدم في دعم النمو الداخلي. وتعكس هذه البيانات، في مجملها، التحول في دور الدين، الذي أصبح يشكل عبئًا يقلّص قدرة الدول النامية على الاستثمار في القطاعات الأساسية، ويُبقيها في مسار مستمر من الاقتراض والسداد، ويحدّ من مساحات التحرك المتاحة لمواجهة الأزمات، وامتصاص الصدمات.

وعند جمع هذه العناصر معًا يتضح أن استقرار النظام الاقتصادي العالمي لا يقوم على توازن حقيقي؛ بل على سلسلة من الآليات التي تعيد توزيع المخاطر عبر النظام؛ وهذا ما يفسر كيف يمكن أن يبدو الاقتصاد مستقرًّا في الظاهر، برغم استمرار تراكم الاختلالات داخله. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الحلول، بل في طبيعة النظام نفسه، الذي يسمح باستمرار هذه الدورة.

غير أن الحلول الجزئية لن تكفي مع تجاوز هذه الحالة؛ إذ تجب إعادة النظر في الأسس التي يقوم عليها النظام الاقتصادي العالمي؛ ولهذا فإن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب الانتقال من التركيز على إدارة الأزمات إلى فهم كيفية نشأتها داخل النظام.

أولويات إصلاح بنية النظام الاقتصادي العالمي

بالاستناد إلى الاتجاهات، التي تؤكدها المؤسسات الدولية اليوم؛ فإن التوصيات الأكثر حضورًا لا تدور حول “مزيد من التدخل”؛ بل حول ثلاث أدوات محددة. أولى هذه التوصيات مرتبطة بإعادة بناء البنية المعلوماتية للأسواق، من خلال إلزامٍ أكثر صرامة بالإفصاح عن الملكية الفعلية للأصول والهياكل العابرة للحدود، وتوسيع تبادل المعلومات المالية بين السلطات؛ وتشديد الشفافية في المدفوعات والتحويلات الدولية؛ فالدول لن تتمكن من إدارة اقتصاداتها، أو حماية قواعد إيراداتها، أو تقدير حجم المخاطر بدقة؛ إذا ما كانت الأصول المالية تتحرك خارج نطاق الرصد والأنظمة الرسمية.

وتتمثل التوصية الثانية في وقف الانتقال التلقائي للمخاطر إلى الأسر؛ فاستقرار الطلب لا يمكن أن يظل معتمدًا على قدرة الأسر على امتصاص أثر أسعار الفائدة المرتفعة، وارتفاع تكلفة المعيشة في الوقت نفسه. والاتجاه الأكثر اتساقًا مع دروس السنوات الأخيرة هو إعادة تصميم أسواق الائتمان السكني والاستهلاكي؛ بحيث تُوزع المخاطر على نحو أكثر توازنًا بين المقرِض والمقترِض، مع توسيع استخدام الأدوات الاحترازية الكلية على التمويل العالي المخاطر والقطاع المالي غير المصرفي؛ بدل ترك عبء التصحيح يقع، في كل دورة، على الدخل الأسري والإنفاق المحلي؛ فالاقتصاد الذي يحفظ استقراره عبر إضعاف الأسر يؤجل الأزمة، ولكن بثمن لاحقٍ أعلى.

أما التوصية الثالثة؛ فتتصل بإدارة ديون الدول، وهي المساحة التي يظهر فيها التناقض الأوضح بين عالمية الأسواق، وحدود القرارات الوطنية. والمطلوب هنا هو اعتماد مسار واضح وسريع لإعادة ترتيب الديون، تتضمن تحديد مواعيد زمنية ملزمة وأقصر، ومستوًى أعلى من التنسيق بين الجهات المقرضة -سواء كانت حكومات ومؤسسات دولية، أو بنوكًا ومستثمرين-؛ إلى جانب توفير وسائل تمويل مؤقتة تساعد الحكومات على الاستمرار في الإنفاق، حتى لا تتحول مشكلة الديون إلى أزمة اقتصادية ممتدة. فحين تضطر الدول النامية إلى سداد أكثر ممّا يصل إليها من تمويل جديد، تتحول الديون إلى وسيلة لسحب الموارد من الاقتصادات الأضعف في اللحظة التي تكون فيها حاجتها إلى الاستثمار أكبر.

الآفاق المستقبلية لمسارات الإصلاح الاقتصادي

غير أن جوهر المسألة يظل سياسيًّا بقدر ما هو اقتصادي؛ فالإشكالية لا تكمن في معرفة ما ينبغي فعله؛ إذ إن معظم مسارات المعالجة ليس محل خلاف في خطوطه العامة، ولكن تنفيذها يصطدم بتباين المصالح، واختلال في موازين القوة بين الدائنين والمدينين، وبين الدول التي تضع قواعد التمويل العالمي، والدول التي تعمل بموجبها. ومن ثم، فإن المسألة الحقيقية ليست في إذا ما كانت البدائل الفنية متاحة، بل إذا ما كانت الإرادة السياسية قادرة على تجاوز الحسابات القصيرة الأجل.

ولا تقف دلالة ذلك عند الحدود الاقتصادية؛ بل تمتد إلى طبيعة الهيكل الاجتماعي العالمي الذي يتشكل في ظل هذه التحولات. وإذا كان التاريخ الاقتصادي يشير إلى أن الأزمات الكبرى غالبًا ما تكون نتيجة اختلالات متراكمة غير مرئية؛ فإن ما نشهده اليوم قد يعكس اقتراب لحظة تحوّل تفرض إعادة ضبط الأسس والقواعد التي يقوم عليها النظام الاقتصادي، قبل أن تفرضها الأزمات بتكلفة أعلى وأقل قابلية للإدارة والاحتواء.

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي بجامعة الدول العربية وعضو المكتب التنفيذي للاتحادات النوعية في الجامعة العربية.