المصدر: جريدة الوفد
أ.د. علي محمد الخوري
يشهد العالم اليوم قفزات نوعية في تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، لتهيئ لتحوّلات بنيوية في شكل الاقتصاد العالمي، وتمسّ حتى الطريقة التي نفهم بها طبيعة التفكير والدور البشري. وفق تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، من المتوقع أن يرتفع حجم سوق الذكاء الاصطناعي من نحو189 مليار دولار في عام 2023 إلى نحو 4.8 تريليونات دولار بحلول 2033، أي بزيادة تقارب خمسةً وعشرين ضعفًا خلال عقد واحد فقط. وبهذا الاتجاه، يتجه الذكاء الاصطناعي ليصبح التقنية الأبرز ضمن فئة التقنيات الناشئة عالميًا.
وفي موازاة ذلك، تشير دراسات اقتصادية إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف ما يصل إلى 15.7 تريليون دولار إلى الناتج العالمي بحلول عام 2030، وهي أرقام تعكس أن تأثيره لا يقتصر على ابتكار أدوات جديدة، بل يمتدّ ليُحدث تغييرات جوهرية في طرق توليد الثروة وتوزيع النفوذ في الاقتصاد العالمي.
من الناحية النظرية، الذكاء الاصطناعي صُمّم في بداياته كأداةً مساندة تتولى ما قد يعجز عنه الإنسان من معالجة هائلة للبيانات، ورصد للأنماط، وتسريعٍ لعمليات التنبؤ في الاقتصاد والطبّ والمناخ وسواها. غير أن صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي والنماذج اللغوية الضخمة وضع العالم أمام واقع مختلف؛ فهذه الأنظمة لم تعد تكتفي بتنفيذ أوامر محددة مسبقًا، بل باتت قادرة على التعلم من البيانات الجديدة المدخلة إليها، وإنتاج النصوص والصور والأكواد البرمجية، والمشاركة في اتخاذ قرارات معقدة على نحو ينافس في بعض المجالات مهارة الخبراء البشريين أنفسهم. وتشير تقارير دولية إلى أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي التوليدي وبقية تقنيات الأتمتة يمكن أن يضيف ما بين 0.5% (300 مليار) إلى 3.4% (تريليوني دولار) سنويًا إلى نمو الإنتاجية في الاقتصادات المتقدمة، إذا أُحسن استثماره.
هنا يبدأ التوتر الفلسفي والسياسي عن الذي يعنيه أن يوجد “عقل صناعي” قادر على اتخاذ قرارات في مجالات ترتبط بحياة البشر وحقوقهم ومواردهم. ساحة الصراع ستكون بين منطقين؛ منطق إنساني يؤسَّس على الخبرة والحدس والقيم، ومنطق خوارزمي يقوم على الحسابات والسرعة والقدرة غير المحدودة تقريبًا على معالجة البيانات. وتزداد المشكلة وضوحاً عندما تنتقل بعض القرارات في مجالات حسّاسة إلى أنظمة آلية؛ مثل تقييم أهلية الأفراد للحصول على قروض، أو فرز المتقدّمين للوظائف، أو المساعدة في أحكام قضائية، أو توجيه عمليات عسكرية.
هنا يتحوّل محور النقاش إلى مسألة تحديد الحدود التي يُسمح عندها للأنظمة الذكية بأن تتولّى اتخاذ قرارات نيابةً عن البشر، والتمييز بين المجالات التي يجب أن تبقى خاضعة للإرادة البشرية وتلك التي يمكن أن تُفوَّض إلى الآلة. في قلب النقاشات الاقتصادية، يُحذّر الكثير من الباحثين من أن الذكاء الاصطناعي قد يسرّع من المسارات المقلقة والمتمثلة في تعميق الاختلال القائم بين أصحاب رأس المال والعاملين، إذ يُرجَّح أن تستفيد الشركات المالكة للتكنولوجيا من أرباح أكبر، في حين قد تتراجع حصة العاملين مع إحلال الأتمتة محل بعض الوظائف. التقديرات تشير إلى أن نسبة واسعة من المهام في قطاعات مثل الخدمات المالية والإدارية وتكنولوجيا المعلومات قابلة للأتمتة خلال العقدين المقبلين، الأمر الذي قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة في خريطة الوظائف وفي توزيع الدخل بين الفئات العاملة.
وتُظهر تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن سوق العمل بات يُكافئ بشكل غير مسبوق أصحاب المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إذ يحصل من يتقنون هذه المهارات على أجور تفوق المتوسط بفارق كبير. في المقابل، يصبح العاملون الذين يفتقرون إليها أكثر عرضة لفقدان وظائفهم أو تراجع فرصهم المهنية. ومع هذا التحوّل، تعود إلى الواجهة نقاشات الاقتصاد السياسي حول اتساع نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى، وظهور أنماط اقتصادية مثل “اقتصاد المنصات” و”رأسمالية المراقبة”، حيث تتركز القوة والبيانات والقرارات في يد عدد محدود من التكتلات التقنية.
من زاوية أخرى، يطرح الذكاء الاصطناعي تحدي وجودي متصل بجوهر التجربة الإنسانية، لا على مستوى الوظائف وحدها. فمع قدرة الأنظمة الذكية على إنتاج نصوص أدبية، أو لوحات فنية، أو حتى الأبحاث العلمية، يبرز التساؤل حول ما يميز الوجود البشري في أصله (كالوعي، والمشاعر، والحس الأخلاقي)، وتحدّد تفرّده وتمنع اختزاله في نماذج حسابية.
كما يتجادل الباحثون حول ثلاثة تصوّرات رئيسية لمستقبل علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي. المسار الأول يحمل رؤية متخوفة من وصول الأنظمة الذكية إلى مستوى من الاستقلال يجعلها قادرة على توجيه الموارد واتخاذ قرارات كبرى وفق منطقها الخاص، حتى لو تعارض ذلك مع مصلحة البشر.
أما المسار الثاني فيطرح نموذج لتطور متدرج يعتمد على اقتراب الإنسان من الآلة أكثر فأكثر، من خلال تقنيات مثل الواجهات الدماغية – الحاسوبية والهندسة الحيوية. وفي هذا التصور، قد يظهر مستقبلاً نوع جديد من سكان العالم يجمع بين القدرات البشرية والقدرات الحاسوبية في جسد واحد، وهو سيناريو يثير أسئلة كبيرة حول معنى الهوية البشرية وحدودها وحقوق هذه الكائنات الجديدة.

والمسار الثالث يقوم على رؤية متفائلة، تراهن على بناء علاقة وظيفية تكاملية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بحيث يظل الإنسان صاحب القرار والمسؤولية الأخلاقية، بينما تعمل الأنظمة الذكية كأدوات متقدمة تساعده على تحليل المعلومات، وتوسيع قدرته على الفهم، وتحسين جودة القرارات التي يتخذها.
لكن أيًّا من هذه المسارات لن يتحقق بصورة حتمية أو تلقائية؛ فمسار الذكاء الاصطناعي تحدده قرارات سياسية وأخلاقية بقدر ما تحدده التطورات التقنية. وقد بدأت ملامح هذا الإدراك تظهر دوليًا؛ إذ اعتمدت الدول الأعضاء في اليونسكو عام 2021، وعددها 194 دولة، أول إطار عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، بهدف ضمان بقاء الإنسان في مركز المنظومة وحماية حقوقه وكرامته. كما ظهرت مبادرات تقيس جاهزية الحكومات لاعتماد الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، بحيث تُخفَّف المخاطر المحتملة وتُوجَّه المنافع لصالح المجتمع بأوسع نطاق ممكن، بدل أن تنحصر في أيدي فئات محدودة.
ومع ذلك، ما تزال هذه الخطوات في بدايتها مقارنة بسرعة اتساع سوق الذكاء الاصطناعي وتعقيداته، في ظل غياب آليات دولية قوية تُنظّم تطور هذه التقنيات كما هو الحال في قضايا عالمية أخرى تتطلّب تنسيقًا والتزامًا مشتركًا بين الدول.
في ضوء ذلك، يمكن القول إن السؤال المركزي ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي بالخطر أو الفرصة، بل بمن سيستفيد فعليًا من هذه التقنيات ومن سيتحمّل أعباءها. فتركيز القدرات الحاسوبية واحتكار البيانات وملكية المنصات في يد شركات ودول محدودة يجعل الذكاء الاصطناعي مرشحًا ليزيد من الفجوات القائمة داخل المجتمعات وبين الدول. ومن دون قواعد واضحة تمنع الهيمنة التقنية وتضمن الوصول العادل إلى البنى التحتية الرقمية والمعرفية، سيصبح التفوق حكراً على القوى التكنولوجية التي تملك أدوات التطوير، بينما تتراجع مكانة الدول التي تعجز عن اللحاق بهذا المسار. ولن تكون التفاوتات مقتصرة على الموارد المالية ومستويات المعيشة، بل سيطال التأثير في إنتاج المعرفة وطرق فهم الواقع، بما يشمله من سيطرة على إنتاج الأفكار وتوجيه مضمون النقاشات العامة والوعي الجماعي.
في المحصلة، يبدو أن الذكاء الاصطناعي، بما يحمله من وعود ومخاطر، سيعتمد على نوع القرارات التي ستتخذ في كيفية توجيهه. فإذا ما اتجهت الدول والمجتمعات إلى وضع قواعد عالمية تنظّم استخدامه وتضمن أن تبقى المعرفة والسلطة موزعة على نحو متوازن، سيمكن لهذه التقنيات أن تتحول إلى وسيلة لتطوير أدواته الفكرية وقدرات وقدراته التحليلية الأوسع.
أمّا إذا تُركت هذه التكنولوجيا تتطور وفق مصالح السوق، من دون ضوابط واضحة، فالتحدّي الحقيقي سيتمثل في احتمال أن تفقد معظم المجتمعات قدرتها على توجيه هذه النظم، وامتياز تمتلكه قلة محدودة من الدول والشركات، بينما تفقد معظم المجتمعات هذا الدور، لتجد نفسها محاطة بأنظمة تعمل وفق معايير لا تملك التحكم فيها.
