مفكرو الإمارات
أ.د. علي محمد الخوري
تتقدم الثورة التقنية المعاصرة لتفتح طورًا جديدًا في حركة الاقتصاد العالمي؛ يقود فيه الذكاء الاصطناعي الاتجاهات الاقتصادية المستقبلية، ويؤسّس لأساليب وأنماط إنتاج جديدة تتخطّى البنى والنماذج التقليدية التي حكمت الاقتصاد الصناعي زمنًا طويلًا؛ ففي الماضي اعتمدت المعادلات الاقتصادية على وفرة الموارد الأولية، وامتلاك الدول مقومات القوة العسكرية؛ ولكن هذه المعادلات تشهد تراجعًا تدريجيًّا الآن أمام صعود بنية جديدة ترتكز على البيانات والخوارزميات والقدرةِ على بناء منظومات معرفية تمنح أصحابها موقعًا مركزيًّا في الاقتصاد الدولي، وتُكسبها قدرات جديدة لتوظيف البيانات؛ وتحويلها إلى مزية تنافسية وقيمة مضافة تدعم مسار التقدّم الاقتصادي.
وتُشير تقديرات المؤسسات البحثية العالمية إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يسهم بنحو 20 تريليون دولار في الناتج العالمي بحلول نهاية العقد الجاري، في تحوّل بنيوي يكشف أن الاقتصاد العالمي يتحرك ضمن هندسة جديدة تغدو فيه التكنولوجيا عاملًا يعيد صياغة أسس التفوق والتأثير نفسها.
وتلوح خلف هذه المعطيات والتحولات منافسة شرسة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين؛ تتجاوز التفوق في مجال الابتكار إلى إعادة ضبط موازين النفوذ العالمي؛ إذ تسعى الولايات المتحدة إلى تأمين هيمنتها التكنولوجية بضخ استثمارات كبيرة في البنى التحتية للذكاء الاصطناعي، وعقد شراكات واسعة مع شركاتها الكبرى؛ بما يمنحها تفوقًا نسبيًّا، وقدرة أكبر على توجيه مسارات تطوير الخوارزميات ومعايير استخدامها عالميًّا.
أما الصين؛ فتعتمد على استراتيجية متعدّدة الأبعاد لتوسيع حضورها التكنولوجي الدولي؛ إذ تدفع باتجاه إرساء منظومة دولية ممتدة في آسيا وإفريقيا، عبر الاستثمار في مشروعات البنية التحتية والطاقة والنقل، والأنظمة الرقمية، وربط الأسواق الناشئة بالبنية الحاسوبية الصينية؛ وهو ما يعزز توظيف التكنولوجيا أداةً للنفوذ الجيواقتصادي.
وفي هذا المشهد تتحرك أوروبا بصفتها طرفًا يطمح إلى تثبيت موقعه الاستراتيجي في بيئة تزداد انقسامًا بين قطبين تقنيين؛ معولةً على سلطاتها التشريعية والتنظيمية لفرض معايير على الشركات العالمية؛ وضبط حركة أسواقها، والمنافسة بما يحمي مصالحها؛ في محاولة لتعويض تراجع بعض قدراتها الصناعية. وتعكس هذه الاصطفافات الدولية انتقال ساحات التنافس من مجالات النفوذ التقليدية إلى فضاءات الابتكار التكنولوجي.
وتحمل هذه الاتجاهات انعكاسات مباشرة على حركة الاقتصاد العالمي؛ فالاستثمارات الضخمة في الحوسبة المتقدمة، ومراكز البيانات، والمواد الأولية العالية الدقة؛ تكشف أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من مكونات الأمن الاقتصادي للدول. كما يشير النمو الهائل في الطلب على أنظمة الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، وما يستلزمه من طاقة ومعادن متقدمة، إلى دخول الاقتصاد الدولي مرحلة تتطلب توازنًا دقيقًا بين التوسع التكنولوجي، وتكلفته الاستراتيجية، وخاصة في ظل التحذيرات المتصاعدة بشأن الاضطرابات المحتملة في سلاسل الإمداد، وتقلبات أسواق الطاقة، والتقييمات المالية العالية لشركات التكنولوجيا، التي تهيئ لفقاعات مالية جديدة.
وتمتد تأثيرات هذه التحولات إلى المنطقة العربية؛ إذ تتبلور الاستجابات عبر مسارين متوازيين؛ فقد سعت دولة الإمارات في السنوات الماضية إلى بناء منظومة تنموية قائمة على استقطاب الشركات العالمية، وتطوير البنى الرقمية، وتأسيس مراكز بحثية ترفد الأنشطة الاقتصادية بأدوات تقنية متقدمة قادرة على دعم قطاعات النقل، والخدمات، والاقتصاد المعرفي.
وأما على مستوى الدول العربية عمومًا، فيتزايد إدراك أهمية إدماج الذكاء الاصطناعي في استراتيجياتها الوطنية، مع تراجع جدوى الاعتماد على مصادر الطاقة، والنماذج الريعية التقليدية، وظهور الحاجة إلى بناء اقتصاد قائم على إنتاج المعرفة وتطويرها.
وتشير التقديرات الاقتصادية الدولية إلى أن إسهام الذكاء الاصطناعي في الاقتصادات العربية سيتجاوز مئات المليارات؛ ولكن القيمة الحقيقية تكمن في التحول الهيكلي في طبيعة هذه الاقتصادات نفسها؛ بالانتقال من أنماط إدارية تحكمها تقلبات أسواق الطاقة، ومتطلبات التوسع السكاني، إلى أنماط أخرى تقوم على بناء أصول معرفية؛ بما يعزز قدرتها على الصمود أمام الصدمات.
وفي هذا السياق تبرز ضرورة تطوير أطر تشريعية وقانونية مرنة ومتجددة تواكب متطلبات التطور التكنولوجي، إلى جانب تأسيس بنًى تحتية قادرة على استيعاب الحوسبة المتقدمة، والتعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته محركًا يعيد تشكيل القطاعات الاقتصادية والوطنية، لا محض قطاع مُستقل.

غير أن الدول العربية تواجه تحديات مُركّبة ترتبط بالقدرة على مجاراة التحول المتسارع؛ فغياب البنية الرقمية المتقدمة، وضعف منظومات البحث العلمي، ونقص المهارات المرتبطة بإدارة البيانات وأنظمة التحليل، تجعل كثيرًا من الاقتصادات العربية تعتمد على الاستيراد التكنولوجي، من دون امتلاك القدرة على الإنتاج؛ وهو مسار يترتب عليه مخاطر اقتصادية بعيدة المدى.
وتؤكد تقارير المؤسسات الدولية أن اتساع الفارق في الاستثمار بالذكاء الاصطناعي بين الاقتصادات قد يؤدي إلى تبدّل أنماط الإنتاج والنمو في المنطقة؛ بحيث تنتقل الصناعات ذات القيمة العالية إلى الدول المتقدمة تكنولوجيًّا، فيما تتراجع حصة الاقتصادات الأخرى في سلاسل الإنتاج؛ لتكون أكثر عرضة لفقدان وظائف وفرص استثمارية على المدى الطويل.
وهذا التفاوت سيمتد إلى سوق العمل العربية؛ فدول الخليج، التي تستند إلى بنية عمالية واسعة في قطاعات الخدمات والبناء؛ ستشهد انتقالًا كبيرًا نحو نماذج عمل جديدة؛ ستتراجع فيها الوظائف المكتبية والتشغيلية الروتينية، وتظهر الوظائف المرتبطة بالبيانات والبنى التقنية المتقدمة. أما بالنسبة إلى الاقتصادات ذات الدخل المتوسط والمنخفض؛ فإن التحدي الرئيسي يتمثل في بقاء هياكلها الإنتاجية عند مستويات منخفضة من القيمة الاقتصادية؛ إذا لم تبادر إلى بناء برامج تدريب مهنية حديثة لتطوير مهارات القوى العاملة.
وتتداخل هذه التحولات مع الأطر التنظيمية والسياقات القانونية التي لا تزال قيد التشكّل؛ فمعظم الدول لا تملك حتى الآن الإطار القانوني المناسب لإدارة الذكاء الاصطناعي، كما أن العلاقة بين البيانات والخصوصية والمسؤولية القانونية تتطلب تحديثًا تشريعيًّا مستمرًّا يوازن بين صون أمن المجتمع؛ وتشجيع الابتكار.
وفي العالم العربي تبرز الحاجة إلى أطر تشريعية متكاملة؛ إذ إن التباطؤ في تطويرها قد يفضي إلى تبني نماذج تنظيمية خارجية، ويحمل ذلك تبعات استراتيجية تتخطى الإطار الاقتصادي لتلامس مرتكزات السيادة والقرار الوطني.
ويزداد هذا التحدي أهمية في ظل الطبيعة الاحتكارية المتنامية لاقتصاد الذكاء الاصطناعي؛ إذ تتركز القدرات التقنية في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى؛ وهو ما يرسخ احتكار المعرفة والقرار. ومن دون مشروع عربي لإنتاج نماذج لغوية محلية مستقلة، يؤسس لبنًى رقمية سيادية، ستجد كثير من الدول نفسها منجذبة إلى العمل في مدار اقتصادي تسيطر فيه القوى المُهيمنة على إدارة البنى الخوارزمية الحاكمة لمستقبل الاقتصاد العالمي.
وتشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن العالم يتجه نحو منظومات مالية أكثر تطورًا، تعمل فيها نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة على إعادة تعريف آليات تقييم المخاطر، وتوجيه رؤوس الأموال، وقواعد حركة التمويل نفسها؛ وهذا البعد يمنح الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًّا في النموذج الاقتصادي العالمي الجديد، القائم على دمج البنى التكنولوجية في دوائر التخطيط الاستراتيجي، وصنع القرار. وبالنسبة إلى الدول العربية؛ فإن قدرتها على المنافسة وجذب الاستثمارات لن تتوقف بعد اليوم على الموارد التقليدية، أو الاستقرار المالي فحسب؛ بل على مدى جاهزيتها لامتلاك بنًى رقمية ومعرفية وسيادية قادرة على التعامل مع هذه المنظومات المتقدمة؛ بما يضمن لها الحفاظ على قدراتها في جذب التمويل، وصون قراراتها الاقتصادية، وأولوياتها التنموية.
وتكشف خريطة التحولات العالمية أن الذكاء الاصطناعي يمثل تحولًا فارقًا في منظومة الاقتصاد العالمي يفرض على المنطقة العربية خيارات استراتيجية تتطلب وضوح الرؤية وجرأة القرار؛ فالدول التي ستتعامل معه بصفته ركيزة استراتيجية في بناء منظوماتها الاقتصادية ستكسب أفضلية واضحة، فيما ستواجه الدول المتأخرة ضغوطًا تُهدّد دورها ومكانتها في النظام الدولي.
وبالنظر إلى الفواصل الزمنية بين التحولات التكنولوجية الكبرى؛ تبدو الفرصة مهيأة لتموضع جديد للدول العربية داخل الاقتصاد العالمي، شريطة تبني رؤية قائمة على الاستثمار في رأس المال المعرفي، قبل أي مورد آخر. ولا يكفي هنا توجيه النقاشات العربية نحو تقدير المكاسب المحتملة من دون فهم منطق البنية التي ستحدد إيقاع الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة؛ ذلك أن التعامل مع التقنيات الناشئة بمعزل عن التحولات البنيوية الأوسع -سواء في العمل، أو الإنتاج، أو العلاقات الاجتماعية- سيضع الدول في واقع لن يتسنَّى لها معه التكيف بالشكل الكافي، وسيجعلها تتحمّل تكلفة أعلى نتيجة هذا الانفصال بين التكنولوجيا، وسياقها الشامل.
وما يحتاج إليه صناع القرار في الدول العربية هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته جزءًا من مشروع استراتيجي يرمي إلى بناء القدرة على النمو والمكانة الدولية. ولا بد من إدراك أن النظام الاقتصادي الآخذ في التشكّل يتجه نحو نموذج جديد يقوم على هندسة دقيقة ومعقدة من البيانات والخوارزميات؛ إذ لا يكفي امتلاك الدولة للتكنولوجيا؛ بل لا بدّ من إتقان القدرة على قراءة تصميم المنظومة واتجاهاتها، والتموضع الفاعل في سلاسل القيمة المعرفية ومنظومات الإنتاج في الاقتصاد الجديد.
