المصدر: جريدة الوفد
أ.د. علي محمد الخوري
شهد النظام الاقتصادي العالمي خلال نصف القرن الأخير موجة ممتدة من الأزمات البنكية وأزمات العملة والديون السيادية. قواعد بيانات صندوق النقد الدولي رصدت أكثر من مئة وخمسين أزمة مصرفية، ومئتين وستًا وثلاثين أزمة عملة، وعشرات الأزمات السيادية منذ سبعينيات القرن الماضي، لتظهر هشاشة بنية النظام المالي العالمي وتكرار دورات الانهيار وإعادة البناء فيه. في قلب هذه التحولات، تبدو العلاقة بين انهيار الاقتصادات وتدهور العملات وتصاعد معدلات التضخم ليست بتتابعات بلا ارتباطات بنيوية، بل جزء من منطق أعمّ تشرحه نظريات الاقتصاد السياسي للأزمات، من نماذج حلقات هروب رأس المال وسقوط العملة، إلى تحليل الفلاسفة والمفكرين حول مسألة تآكل شرعية الدولة عندما تتراجع قدرتها على حماية المستوى المعيشي وتظهر فجوة ثقة بين المجتمع ومؤسساته.
عندما يدخل اقتصاد ما في حالة انهيار بنيوي، يكون أوّل ما يتعرض للاهتزاز هو الثقة في عملته. تراجع النمو، واتساع عجز المالية العامة، وتدهور ميزان المدفوعات، كلها عوامل تدفع المستثمرين والمودعين إلى الهروب من العملة المحلية نحو عملات أكثر استقرارًا أو أصول مادية، فتبدأ حلقة “هروب رأس المال” التي تؤدي بدورها إلى تراجع حاد في قيمة العملة. وفي كثير من الحالات، كما تشير تجارب دول أمريكا اللاتينية وآسيا، تلجأ الحكومات إلى التوسع في الإصدار النقدي لتمويل العجز، فيتحول العجز المالي إلى تضخم، والتضخم إلى تضخم مفرط، كما حدث في فنزويلا حين بلغت معدلات التضخم السنوية مئات الآلاف في المئة في ذروة الأزمة خلال عامي 2018 و2019. هنا لا يتضح التضخم في مجرد ارتفاع الأسعار، بل يصبح الآلية التي تبدأ بتفكيك المنظومة الاجتماعية نفسها، إذ تفقد الأجور معناها وتتحول المدخرات إلى أرقام بلا قيمة.
ويكشف مسار لبنان خلال السنوات الأخيرة مثالًا قريبًا من المنطقة العربية على هذا الترابط البنيوي بين الانهيار المالي وتدهور العملة واشتعال الاضطرابات الاجتماعية. فقد شهدت البلاد انهيارًا حادًا في سعر صرف الليرة، حيث جرى تخفيض قيمتها بأكثر من ثمانية وتسعين في المئة في أقل من عام ونصف بين مطلع 2023 ومطلع 2024، ورافق ذلك تضخم سنوي تجاوز مئتي في المئة عام 2023 قبل أن يتراجع إلى نحو خمسة وأربعين في المئة في 2024. وفي خلفية هذه الأرقام، سجّل البنك الدولي قفزة في معدلات البطالة من نحو أحد عشر في المئة قبل الأزمة إلى ما يقارب ثلاثين في المئة عام 2022، مع انحدار أكثر من نصف السكان إلى ما دون خط الفقر. هنا يظهر بوضوح ما تحذر منه أدبيات الاقتصاد السياسي، وهو أنه حين تفشل الدولة في إدارة مواردها ومؤسساتها المالية، تتحول الأزمة الاقتصادية سريعًا إلى أزمة شرعية سياسية واجتماعية.
وتعيد تجربة سريلانكا بدورها تذكير العالم بمدى هشاشة الاقتصادات المتوسطة الدخل أمام تراكم الديون والاختلالات الهيكلية. ففي ذروة الأزمة عام 2022، قفز التضخم إلى نحو سبعين في المئة، قبل أن يتراجع إلى أقل من ستة في المئة في مطلع 2024 بعد تدخل صندوق النقد الدولي وإطلاق برنامج إصلاحات قاسية. هذه الحركة الحادة من الانهيار إلى “الاستقرار المفروض” تكشف عن جدلية قديمة متجددة في نظريات التبعية وهو إلى أي مدى تمثل برامج الإنقاذ المالية حلًا حقيقيًا، وإلى أي مدى تعيد إنتاج نمط اقتصاد تابع يظل معرضًا للأزمات كلما تغيّرت شروط التمويل الخارجي؟
في العالم العربي، تتجسد هذه الجدلية في تباين واضح بين دول تملك احتياطيات هائلة من النفط والغاز والعملة الأجنبية، ودول تكاد تعيش في حالة أزمة دائمة. فاقتصادات الخليج، على سبيل المثال، نجحت في امتصاص صدمات كبرى بفضل قدرتها على استخدام الفوائض المالية لبناء صناديق سيادية وتثبيت أسعار الصرف، لكنها في الوقت ذاته تبقى شديدة الحساسية لدورات أسعار الطاقة وتقلب الطلب العالمي. وفي المقابل، تتحرك دول أخرى في الإقليم داخل مثلث خطير يجمع بين ضعف البنية الإنتاجية، وندرة الاحتياطيات، والضغوط السياسية والأمنية المستمرة، ما يجعل عملاتها أكثر عرضة للتراجع، وأسعارها أكثر قابلية للانفلات مع كل صدمة خارجية أو داخلية.
وتعمل هذه الأزمات، وفق منطق نظريات “عدم الاستقرار المالي” للمفكر الأمريكي هنري منسكي، على كشف تراكم المخاطر في فترات ما قبل الانهيار، حين يبدو النمو مستقرًا بينما تتوسع الحكومات والمؤسسات في الاقتراض والالتزامات طويلة الأجل. وعندما تنقلب الدورة، تتحول هذه الالتزامات إلى عبء غير محتمل، فتبدأ سلسلة من الإفلاسات وإعادة الهيكلة، تترافق مع انهيار العملة وتراجع الثقة بالقطاع المصرفي. ما تضيفه تجارب فنزويلا ولبنان وسريلانكا وغيرها هو أن هذا الانهيار يتترجم إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات العامة، وضعف القدرة على توفير الدواء والغذاء، وهجرة واسعة للطاقات البشرية.
من زاوية أخرى، تكشف هذه الأزمات عن أن النقاشات حول “استقلالية السياسة النقدية” أصبحت نقاشات سيادية بامتياز. فإذا كانت نظريات مثل “الثلث المستحيل” في الاقتصاد الدولي تؤكد استحالة الجمع بين سعر صرف ثابت، وسيولة رأسمالية كاملة، وسياسة نقدية مستقلة، فإن الأزمات الحديثة تُظهر أن الاقتصادات الصغيرة والهشة غالبًا ما تدفع الثمن الأكبر حين تختار مزيجًا غير مستدام من هذه العناصر. وبالنسبة إلى كثير من الدول العربية، يبقى التحدي في إيجاد توازن بين استقرار العملة من جهة، وإتاحة مساحة كافية لسياسات نقدية ومالية تدعم النمو الحقيقي من جهة أخرى، من دون الوقوع في فخ الاعتماد الدائم على تدفقات رأسمالية قصيرة الأجل أو مساعدات مشروطة.
وفي المستوى الاجتماعي والسياسي، لا يمكن قراءة مسألة انهيار العملة بمعزل عن تآكل القاعدة الاجتماعية للنظام السياسي. فالتضخم المرتفع، خصوصًا عندما يتجاوز عشرات في المئة سنويًا ويستمر لسنوات، لا يعني فقط أن الأسعار ترتفع؛ بل يعني عمليًا نقلًا خفيًا للثروة من المدخرين وأصحاب الدخول الثابتة إلى من يمتلكون أصولًا مادية أو قدرة على التحوط. ومع كل موجة من هذه الموجات، تتوسع الفجوة بين أقلية محمية وأغلبية مكشوفة، فتزداد احتمالات الاحتجاجات والانفجارات الاجتماعية، وتنمو الاتجاهات السياسية التي تبني حضورها على استثمار الاحتقان العام، واللجوء إلى حلول قصيرة الأجل تزيد المشكلة تعقيدًا.
في مواجهة هذا الواقع، لا يكفي الحديث عن “إصلاحات مالية” أو “إعادة هيكلة الديون” بمعناهما الضيق. فالتجربة الدولية تشير إلى أن الاقتصادات التي نجحت في الخروج من دوامة الانهيار هي تلك التي جمعت بين ضبط المالية العامة، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، وبناء قاعدة إنتاجية أوسع تقوم على قطاعات قابلة للمنافسة والتصدير، إلى جانب إصلاحات عميقة في منظومة الحوكمة ومحاربة الفساد.
وبالنسبة إلى العالم العربي، يضاف إلى ذلك بعد إقليمي مهم، يكمن في غياب تنسيق اقتصادي عربي فعّال، وتواضع حجم التجارة البينية، وهما ما يعنيان أن كل دولة تواجه أزماتها منفردة، بينما كان يمكن لبناء آليات تضامن وتمويل مشتركة أن يوفر مظلة أمان أكبر للإقليم بأكمله.
في النهاية، تكشف الأزمات الاقتصادية عن حقيقة مقلقة أخرى ولكنها ضرورية تكمن في أن قيمة العملة ليست بمسألة فنية يجب أن تبقى بيد المصرف المركزي وحده، بل مسؤولية الدولة ككل، بصفتها الوحدة التي تعكس قوة الاقتصاد، وصدقية المؤسسات، ومتانة البنية التي تربط شرعية الدولة بمواطنيها. فحين تتعرض هذه العناصر جميعًا للتفكك، لا يعود الانشغال منصبًّا على وقف انهيار العملة أو الحد من التضخم، بل يتجه التفكير إلى تحديد المسار التنموي الذي ينبغي أن تتبناه الدول.
وهنا، يصبح واضحًا أن الاقتصادات التي تعتمد على محركات نمو مؤقتة بلا أسس متينة تظل مهدّدة بانهيارات طويلة تُضعف المجتمع والدولة معًا، بينما يحتاج المستقبل إلى نمط اقتصادي أكثر صلابة واستدامة، قائم على بنية إنتاج حقيقية وقدرة مؤسسية تحمي المجتمع من الصدمات. استقرار هذا التحول في بنيته مسألة في غاية الأهمية، يتجاوز تأثيره المجال الاقتصادي، لأنه بذلك يحدد الخريطة السياسية للدولة، والسقف الممكن للأمل المتاح والطموحات أمام الأجيال المقبلة، سواء في العالم العربي أو خارجه.
