الخوري: الإمارات قدمت نموذجاً عالمياً في تحويل القدرات الرقمية إلى تنافسية اقتصادية وحوكمة مستقبلية

مدة القراءة 7 دقائق

شينجن – الصين

أكد سعادة المستشار الدكتور علي محمد الخوري، رئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي، أن دولة الإمارات رسخت خلال العقدين الماضيين نموذجاً اقتصادياً عالمياً يقوم على التكامل الرقمي، وسرعة التنفيذ، والحوكمة المستقبلية، مُشيراً إلى أن التجربة الإماراتية تبرز في قدرتها على تحويل الإمكانات الرقمية إلى خدمات حكومية متقدمة، وتنويع اقتصادي، وجذب للاستثمارات، ومرونة مؤسسية، وتنافسية طويلة المدى.

جاء ذلك خلال مشاركة سعادته في مؤتمر دولي عقد في مدينة شينجن الصينية، حيث ألقى كلمة بعنوان “التحول الرقمي في عصر اللا اليقين”، تناول فيها التحولات العميقة التي تشهدها الاقتصادات العالمية في ظل الاضطرابات الجيوسياسية، وتغير سلاسل الإمداد، وتسارع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتزايد المخاطر السيبرانية، وصعود الاقتصاد الرقمي كأحد المحركات الرئيسية للتنافسية الدولية.

وقال الخوري إن الاهتمام العالمي اليوم يتجه إلى قدرة الأنظمة الرقمية على ضمان استمرار عمل الاقتصادات والخدمات، وحماية موثوقية البيانات، والحفاظ على ثقة المجتمعات في أوقات الأزمات، مشيراً إلى أن التحول الرقمي أصبح عنصراً رئيسياً في صلابة الاقتصادات والمؤسسات.

وأضاف أن العالم يعيش مرحلة لم يعد فيها الاستقرار الاقتصادي مفهوماً تقليدياً، إذ يمكن للطرق التجارية أن تتغير، وسلاسل الإمداد أن تتعطل، والتكنولوجيا أن تتحول إلى أداة في المنافسة الجيوسياسية، والهجمات السيبرانية أن توقف خدمات أساسية، منوهاً إلى أن البنية التحتية الرقمية أصبحت أحد أعمدة البنية الاستراتيجية للأمن الاقتصادي الحديث.

ولفت إلى تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يشير إلى أن 64% من المؤسسات في عام 2026 أصبحت تدرج الهجمات السيبرانية ذات الدوافع الجيوسياسية ضمن استراتيجيات إدارة المخاطر، وهو ما يوضح اتساع مفهوم الأمن الاقتصادي ليشمل أمن البيانات والأنظمة والمنصات الرقمية والخدمات الحيوية.

وقال إن هذه المخاطر تكتسب وزناً أكبر مع تحول الاقتصاد الرقمي إلى محرك رئيسي للنمو العالمي، واعتماد قطاعات المال والتجارة والخدمات الحكومية والصحة والنقل على الأنظمة الرقمية، لافتاً إلى الحجم المتنامي للاقتصاد الرقمي العالمي، وقيمته التي تقترب اليوم من 28 تريليون دولار، وتسجيل أنظمة المدفوعات الرقمية معاملات تتجاوز قيمتها 24 تريليون دولار سنوياً، فيما يُتوقع أن يضيف الذكاء الاصطناعي نحو 20 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030.

وأشار إلى أن هذه الأرقام تكشف عن التحول في أسس ومعايير التنافسية الاقتصادية، وصعود البنية التحتية الرقمية كقوة مؤثرة في قدرة الدول والمؤسسات على الاستمرار، والتكيف، والحفاظ على حركة الأسواق والخدمات والأنشطة الحيوية في أوقات الاضطرابات.

وقال إن ترابط الاقتصادات الحديثة جعل تعطل أي منظومة رقمية رئيسية، كالحوسبة السحابية أو الأمن السيبراني أو المدفوعات الرقمية، قادراً على التأثير في قطاعات حيوية مثل الصحة والمالية والنقل والخدمات اللوجستية والحكومية، الأمر الذي يجعل الاستمرارية معياراً أساسياً للنجاح الرقمي.

وأضاف أن المرونة الاقتصادية أصبحت تقاس بقدرة المؤسسات والأسواق على مواصلة العمل تحت الضغط، وبقاء الخدمات العامة متاحة، واستمرار الشركات في الوصول إلى الأسواق، وحركة البيانات بشكل آمن، وثقة المواطنين في الأنظمة، واستعداد القوى العاملة للاقتصاد الجديد.

وأوضح الخوري أن هذا الواقع يتطلب طريقة مختلفة في النظر إلى التقدم الرقمي، تتجاوز الجاهزية الشبكية أو توفير الخدمات، إلى بناء أنظمة قابلة للتوسع، ومؤسسات قادرة على الاستجابة، وبنية تحتية قادرة على الصمود، وسياسات عامة قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة.

وتناول في كلمته مؤشر الاقتصاد الرقمي العربي الذي طوره الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي، في إطار الرؤية العربية للاقتصاد الرقمي التي أقرتها الدول العربية وحظيت بدعم سامي من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله.

وقال إن المؤشر صُمم لمساعدة الحكومات على فهم ما إذا كانت خطط وبرامج التحول الرقمي تتقدم بصورة متوازنة وقابلة للتوسع ومتكاملة اقتصادياً، من خلال تقييم البنية التحتية، والجاهزية المؤسسية، والاستثمار، ورأس المال البشري، والقدرات الاقتصادية طويلة المدى.

وأضاف أن نتائج مؤشر عام 2026 تكشف عن إمكانات كبيرة غير مستثمرة في المنطقة العربية، حيث تحقق بعض الاقتصادات العربية تقدماً سريعاً في الجاهزية الرقمية، وفي مقدمتها دولة الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي، بينما لا تزال اقتصادات أخرى في مرحلة بناء القدرات الأساسية.

وأشار إلى أن التباين في الجاهزية الرقمية بين الدول العربية يوفر خريطة عملية للمجالات التي يمكن أن تحقق فيها الاستثمارات والإصلاحات وتنسيق السياسات والتعاون الإقليمي والشراكات الدولية أثراً سريعاً وملموساً.

وأكد أن التحول الرقمي العربي يدخل مرحلة جديدة، لم يعد فيها التركيز منصباً على تبني التقنيات بقدر ما هو على بناء منظومات اقتصادية متكاملة وقابلة للتوسع، وقادرة على ربط البنية التحتية ورأس المال والسياسات والقدرات الصناعية في نماذج تنموية مستدامة.

وقال إن دولة الإمارات تمثل في هذا السياق نموذجاً متقدماً في إدماج التكنولوجيا والرقمنة ضمن نموذج تشغيل الاقتصاد الوطني، إذ إن تجربتها تقوم على تحويل التكنولوجيا من بنية داعمة إلى قدرة تشغيلية مؤثرة في تنفيذ السياسات، وكفاءة الاقتصاد، وتنويع النمو، وجاهزية المؤسسات، والتنافسية طويلة المدى.

وأضاف أن ما يميز التجربة الإماراتية هو السرعة التي تحولت بها القدرات الرقمية إلى نتائج عملية في الخدمات العامة، وجاذبية الاستثمار، والتنويع الاقتصادي، والاستجابة المؤسسية، وهو ما يجعلها نموذجاً دولياً في كيفية توظيف التكنولوجيا لخدمة الاقتصاد والمجتمع.

كما وتطرق الخوري إلى البعد الجديد المرتبط بالطاقة والاستدامة في الاقتصاد الرقمي، موضحاً أن توسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأنظمة الرقمية واسعة النطاق يجعل البنية التحتية الرقمية أكثر اعتماداً على الطاقة، حيث يتوقع أن يتضاعف الطلب الكهربائي المرتبط بهذه الأنظمة خلال السنوات المقبلة.

وقال إن الاستدامة وكفاءة الطاقة أصبحتا عنصرين مركزيين في مستقبل الاقتصاد الرقمي، مشيراً إلى أن المنطقة العربية تمتلك موقعاً جغرافياً مُهماً، وبنية تحتية آخذة في التوسع، وقدرات استثمارية سيادية، ما يؤهلها لتكون إحدى منصات النمو الرقمي العالمي في مرحلته المقبلة.

وأوضح أن التعاون بين الصين والدول العربية يمكن أن ينتقل إلى مشاريع عملية تربط التكنولوجيا الصينية بالإمكانات العربية في الطاقة والموانئ والخدمات اللوجستية والأسواق الرقمية، بما يساعد على بناء ممرات جديدة للتجارة والبيانات والاستثمار بين آسيا والمنطقة العربية وأفريقيا.

واختتم الخوري كلمته بالتأكيد على أن الفرص أمام المستثمرين وشركات التكنولوجيا والشركاء الدوليين تتجاوز المشاريع الفردية، لتشمل المشاركة في تطوير ممرات نمو جديدة قادرة على التأثير في مستقبل التجارة، واتجاهات الاستثمار في البنية التحتية، والجغرافيا الجديدة للنمو الرقمي العالمي.

واختتم الخوري كلمته بالتأكيد على أن الفرصة الحقيقية في المنطقة العربية تكمن في بناء شراكات دولية تساعد على تطوير سلاسل قيمة رقمية مشتركة، تسهم في تسريع التجارة الإلكترونية، وتطوير الخدمات اللوجستية، وجذب الاستثمارات، وفتح أسواق جديدة، ويمنح الاقتصادات العربية قدرة أكبر على إنتاج القيمة المضافة في الاقتصاد الرقمي العالمي.