القاهرة
المصدر: جريدة الوفد
أ.د. علي محمد الخوري
يبدو قطاع السياحة اليوم أحد أكثر القطاعات قدرة على التعبير عن موقع العالم العربي في الاقتصاد العالمي، فهو يجمع بين قطاعات مختلفة كالخدمات والتجارة والثقافة والاستثمار. تشير تقديرات المجلس العالمي للسياحة والسفر إلى أن إسهام السفر والسياحة في الناتج المحلي الإجمالي للشرق الأوسط اقترب في عام 2023 من 460 مليار دولار، مع نمو يفوق 25% مقارنة بالعام السابق، ووصول عدد الوظائف المرتبطة بالقطاع إلى نحو 7.7 ملايين وظيفة، وهي أرقام تعكس حجم وقوة القطاع السياحي في المنطقة رغم الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية المتلاحقة.
كما تظهر بيانات منظمة السياحة الدولية أن الشرق الأوسط كان الإقليم الوحيد في العالم الذي تجاوز أعداد الزوار لديه مستويات ما قبل الجائحة خلال 2023، ثم واصل التقدم في 2024 مع زيادة في أعداد الوافدين السُيّاح بنسبة تجاوزت 20% مقارنة بعام 2019، ليؤكد أن المنطقة باتت أحد محركات السياحة العالمية.
ومع ذلك، لا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن التحديات المركبة التي تحيط بالمشهد السياحي العربي. فالأزمات التضخمية، وارتفاع تكلفة الطاقة والغذاء، والتباطؤ الاقتصادي في أسواق رئيسية كأوروبا وبعض دول آسيا، كلها عوامل تضغط على القدرة الشرائية للسائح وتزيد في الوقت ذاته من تكاليف التشغيل لشركات الطيران والفنادق وسلاسل التوريد السياحية.
كما أن استمرار بؤر التوتر والصراعات في بعض مناطق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى جانب التوترات في الممرات البحرية الحيوية في البحر الأحمر والخليج، أصبح ينعكس مباشرة على الصورة الذهنية للمنطقة في الإعلام العالمي وعلى تقييمات المخاطر التي تعتمدها شركات السفر والتأمين.
إلى جانب ذلك، يفرض تغير المناخ أبعادًا جديدة على معادلة السياحة العربية. فارتفاع درجات الحرارة، وتزايد موجات الجفاف، وارتفاع منسوب سطح البحر، كلها عوامل مهددة لمستقبَل السياحة الساحلية والبيئية في دول مثل مصر وتونس والمغرب، فيما تجعل العواصف الرملية والفيضانات المفاجئة عددًا من المواقع التاريخية والطبيعية أكثر هشاشة. وقد بدأت بعض الدول، كالمغرب مثلًا، في إعادة بناء خرائطها السياحية عبر تنويع الوجهات الداخلية كالسياحة الجبلية والثقافية إلى جانب السياحة الشاطئية، وقد سجلت في عام 2024 رقمًا قياسيًا تجاوز 15.9 مليون زائر خلال أحد عشر شهرًا، مع مساهمة للقطاع تقارب 7% من الناتج المحلي الإجمالي وفق تقديرات رسمية.

على المستوى الرقمي، تظهر الفجوة بوضوح بين دول سبقت في بناء منظومات متكاملة للحجز الإلكتروني، وتحليل البيانات، والتسويق عبر المنصات العالمية، وأخرى لا يزال حضورها الرقمي محدودًا، ما يضعف قدرتها على الوصول إلى السائح العصري الذي يعتمد في قراراته على التطبيقات والتجارب الرقمية المتكاملة. في المقابل، يتيح الذكاء الاصطناعي وفرص تحليل البيانات الضخمة إمكانية تصميم سياسات تسعير أكثر دقة، وتوجيه الحملات الترويجية، وإدارة الطاقة والنقل داخل المقاصد السياحية بكفاءة أعلى، ما يعني أن الاستثمار في البنية الرقمية أصبح عنصرًا مكوِّنًا لجاذبية الوجهة بل ومكملاً للبنى التحتية الاستراتيجية.
ورغم هذه التحديات المتداخلة، تبدو فرص النهوض بالسياحة العربية واعدة إذا ما قُرئت في ضوء مزايا المنطقة الهيكلية. فالعالم العربي يحتضن شبكة كثيفة من المواقع والوجهات السياحية التي تستقطب مئات الملايين من الزوار سنويًا. وقد مثّل التحول السياحي في السعودية نموذجًا لافتًا في هذا السياق، حيث تجاوز عدد الزوار إلى المملكة مئة مليون زائر في عام 2023 وفق تقديرات أممية، مع استثمارات تتجاوز التريليون دولار في مشاريع سياحية وثقافية وبحرية ضخمة ضمن رؤية 2030، ما يضع المملكة في موقع اللاعب الرئيسي في تشكيل خريطة السياحة الإقليمية.
ما يحتاج إليه المستقبل السياحي العربي هو رؤية تنموية تقوم على التنويع لا على الاجترار. فالتوسع في السياحة البيئية والصحراوية والريفية، مع حماية الموارد الطبيعية، يمكن أن يخلق مسارات جديدة للسياحة خارج المدن الكبرى والشواطئ المكتظة. كما أن تنمية قطاعات السياحة العلاجية والتعليمية والمؤتمرات والفعاليات الثقافية، وربطها بمنظومات طبية وأكاديمية قوية، سيسمح باستقطاب السياحة المستقرة على مدار العام بدل الاكتفاء بالمواسم التقليدية. وفي موازاة ذلك، يشكل الاستثمار في التدريب وبناء الكفاءات ضرورة ملحة، لأن التجربة السياحية تتحدد في النهاية بجودة التفاعلات الإنسانية بقدر ما تتحدد بجودة البنية التحتية.

ويمثل التكامل العربي في المجال السياحي أحد المفاتيح الكامنة التي لم تُستخدم بعد بالقدر المطلوب. فتطوير شبكات نقل إقليمية أكثر كفاءة، والعمل على نماذج تأشيرات موحّدة أو مسارات تسهيل للحركة بين عدد من الدول العربية، يمكن أن يحول الإقليم إلى وجهة واحدة متعددة الأبعاد بدل أن يبقى مجموعة من المقاصد المنعزلة. كما أن تصميم مسارات سياحية عابرة للحدود، تربط الحضارات القديمة على امتداد المشرق والمغرب، أو تجمع بين السياحة الثقافية والدينية والترفيهية في أكثر من بلد، يمكن أن يطيل مدة الإقامة ويرفع متوسط الإنفاق لكل سائح، وهو ما تشير تجارب أخرى في أوروبا وأمريكا اللاتينية إلى أهميته في خلق قيمة مضافة أعلى.
كل هذه التحولات تفرض على صانعي القرار في المنطقة قراءة السياحة كجزء من الاقتصاد السياسي للعولمة وليس مجرد قطاع خدماتي. فالسياحة تتقاطع مع قضايا الأمن والاستثمار والصورة الذهنية، وترتبط بتداول رؤوس الأموال وحركة الأفراد والمعرفة، وتؤثر في مستويات الدخل وموقع المدن في الشبكات العالمية. وعندما تُبنى الاستراتيجيات السياحية على أساس الاستدامة البيئية، وتمكين المجتمعات المحلية، والتوازن بين الجاذبية السياحية والحفاظ على الهوية الثقافية، تتحول السياحة إلى قطاع صلب، يهيئ لدور عربي جديد في الاقتصاد العالمي للخدمات.
عامة، يبدو أن مستقبل السياحة في العالم العربي سيُحدد من جهة بمدى نجاح المنطقة في تجاوز أزماتها الداخلية والخارجية، ومن جهة أخرى بقدرتها على رسم رؤية أشمل للتحول الاقتصادي والاجتماعي على المستوى الوطني والإقليمي. فإذا أصبحت السياحة أداة لتكثيف الحضور الثقافي والمعرفي العربي على المسرح الدولي، ووسيلة لإيجاد فرص العمل ورفع مستويات الدخل للمجتمعات المحلية، ومنصة لتطوير البنية التحتية والرقمية، فإن السنوات القادمة قد تشهد انتقال العالم العربي من حالة التقلب بين انتعاش وانكماش إلى حالة أكثر استقرارًا تعتمد على معدلات سياحة عالية نسبياً. عند هذه النقطة لن تكون السياحة مجرد نشاط اقتصادي، بل جزءًا من مشروع تنموي يعيد وصل المنطقة العربية بالعالم على أسس أكثر توازنًا وندية.
