القاهرة
المصدر: جريدة الوفد
أ.د. علي محمد الخوري
يشهد النظام المالي العالمي تحولات كبرى نحو إعادة تشكيل مراكز النفوذ الاقتصادي ومسارات انتقال رأس المال، وهي تحولات تعكس صعود قوى اقتصادية جديدة وتراجع مركزية الهياكل التقليدية التي حكمت حركة المال منذ نهاية الحرب الباردة. وفي خضم هذا المشهد المتغيّر، تبدو الدول العربية، وخاصة الخليجية منها، في موقع يسمح لها بالانتقال من دور الممول الخارجي إلى فاعل مركزي في صياغة اتجاهات النظام المالي العالمي، مستندة إلى مواردها الرأسمالية الضخمة وإلى صناديقها السيادية التي باتت من بين الأكبر عالميًا، إضافة إلى حضورها المتصاعد في الأسواق المالية الدولية.
وتظهر القوة الرأسمالية العربية بوضوح من خلال حجم الصناديق السيادية، التي تجاوزت وفق تقديرات دولية حاجز 4 تريليون دولار، يقودها جهاز أبوظبي للاستثمار وصندوق الاستثمارات العامة السعودي ومؤسسة الاستثمار الكويتية، وهي صناديق تمتلك أصولًا منتشرة في أسواق المال والتكنولوجيا والعقار والطاقة والبنية التحتية حول العالم. وإلى جانب ذلك، تستند دول الخليج إلى فوائض مالية ناتجة عن صادرات الطاقة، تجعل من المنطقة أحد أهم مصادر تراكم رأس المال على مستوى العالم.
واللافت أن هذه الدول أصبحت تعيد توظيف استثماراتها وفوائضها المالية داخليًا وإقليميًا، في مشاريع عملاقة قد تغير شكل اقتصاداتها ونموها. فهي تستثمر بوتيرة متسارعة في بناء المدن الذكية والصناعات التحويلية والتقنيات الرقمية والبنى التحتية المستقبلية، إلى جانب دعم قطاعات الطاقة النظيفة والابتكار. وهذا كله يجري في إطار توجه استراتيجي مُعلن نحو بناء اقتصادات منتجة ومتنوعة، منخفضة الاعتماد على النفط.
ويتزامن هذا الحضور المالي المتصاعد مع التحولات البنيوية في الاقتصاد العالمي، إذ شهد العقدان الأخيران صعود قوى جديدة مثل الصين والهند والبرازيل، ما أدى إلى تعددية قطبية مالية تحدّ من احتكار الغرب لتحديد قواعد اللعبة المالية الدولية. كما أدى انتشار التقنيات المالية الحديثة، وظهور العملات الرقمية، وتنامي الاتجاهات الدولية للحد من هيمنة الدولار في بعض التبادلات العابرة للحدود، إلى ظهور بيئات مالية أكثر مرونة ومتعددة الخيارات والقنوات، وإن كانت أكثر تعقيدًا وأصعب للفهم والرقابة، وتسمح بفرص أكبر للدول والمؤسسات لتغيير مواقعها الاستراتيجية ونقل مراكز القوة المالية من الأيدي التقليدية إلى أيدي جديدة.
غير أن هذه الفرص تقابلها تحديات عديدة تواجه الاقتصادات العربية في سعيها لإعادة تعريف موقعها داخل النظام المالي العالمي. فالتباين السياسي بين الدول العربية وضعف التكامل الاقتصادي الإقليمي يحدّان من إمكانية التفاوض بوصفها كتلة مالية موحدة. كما أن الاعتماد على النفط كرافد أساسي للثروة يظل عامل يضعف القدرة على مواجهة تقلبات أسعار الطاقة وتغيرات الطلب العالمي. ويضاف إلى ذلك محدودية التأثير العربي داخل المؤسسات المالية الدولية مقارنة بالقوى الاقتصادية الكبرى، ما يجعل صياغة القرارات المالية العالمية تظل بعيدة عن التأثير العربي المباشر. وتزداد التحديات تعقيدًا حين تتداخل المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية، خصوصًا في بيئة دولية مضطربة تتزايد فيها التوترات الجيوسياسية وتُعاد فيها صياغة التحالفات التجارية.
ومع ذلك، تملك الدول العربية في الوقت الراهن فرصة تاريخية لابتكار مسار جديد، يقوم على تنويع الاستثمارات عالميًا وإعادة توزيع رأس المال داخل الاقتصاد العربي ذاته. ويمكن لهذه العملية أن تبدأ عبر الانتقال من الاستثمارات التقليدية إلى الاستثمارات التكنولوجية والاستراتيجية، وإطلاق برامج مشتركة للعملات الرقمية الوطنية على غرار تجارب العملات الرقمية للبنوك المركزية، وتوجيه الاستثمارات نحو قطاعات المستقبل مثل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية والطاقة المتجددة.
كما يمكن للعالم العربي أن يستثمر ثقله المالي في بناء مؤسسات مالية إقليمية بديلة، توازي نماذج قائمة مثل بنك التنمية الآسيوي أو بنك التنمية الجديد لدول البريكس، بما يسمح بتوجيه التمويل نحو مشاريع البنية التحتية والتنمية في الجنوب العالمي، ويمنح الدول العربية فرصة للمساهمة في تمويل المشاريع التنموية ذات العائد الاستراتيجي المزدوج؛ عائد مالي مجزٍ من ناحية، وعائد جيوسياسي وتنموي من ناحية أخرى.
وإلى جانب ذلك، بإمكان الدول العربية تدعيم حضورها العالمي من خلال بناء شراكات استراتيجية مع القوى الصاعدة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وبما يعيد تشكيل توازنات القوة الاقتصادية بعيدًا عن المدار الغربي وحده. وسيتيح هذا النهج فرصًا واسعة لإعادة تموضع رأس المال العربي داخل النظام العالمي، خصوصًا إذا ارتبط بخطط وطنية وإقليمية لتطوير الصناعات الابتكارية وبناء القدرة على إنتاج التكنولوجيا محليًا.
عامة، يمكن القول باللحظة الراهنة تمنح رؤوس الأموال العربية فرصة للعب دور محوري في إعادة تشكيل النظام المالي العالمي، شرط أن يُبنى هذا الدور على رؤية موحدة، وسياسات توازن بين الانفتاح العالمي وتطوير القدرات الذاتية، والاستثمارات الذكية في المستقبل. عندما يتحول رأس المال العربي إلى أداة مؤسسية لصناعة المعرفة والتقنية، لا مجرد وعاء للثروة، سيمكن للعالم العربي الانتقال إلى موقع مختلف داخل الاقتصاد العالمي، موقع يُحسب له حسابه في رسم خريطة النفوذ المالي المستقبلي.
