الدولة والاقتصاد في العالم العربي

مدة القراءة 7 دقائق
القاهرة

المصدر: جريدة الوفد

أ.د. علي محمد الخوري

في خضم التحولات الهيكلية التي تعصف بالنظام الاقتصادي العالمي، بات واضحًا أن دور الدولة لم يعُد محصورًا في مفهوم “الحارس الليلي” الذي اكتفت به نظريات الليبرالية التقليدية، ولا في مركزية التوزيع التي كرّستها المدارس الاشتراكية. في العالم العربي، حيث يتقاطع التاريخ السياسي مع الاقتصاد الريعي، أصبح القطاع العام التجسيد الأوضح لنمط الدولة الريعية التي توفّر للمواطنين فرص العمل والدعم والخدمات كأدوات للاستقرار الاجتماعي وضمان التوازنات السياسية. إلا أن هذا النموذج لم يعد قادرًا على الاستمرار بذات منطلقاته، في عالم تقوده الآن أنظمة معرفية ذكية، وفق معايير الذكاء الاصطناعي، ورأسمال المعرفة، والمؤسسية المحكومة بالكفاءة.

لقد تشكّل القطاع العام العربي بوصفه كيان سياسي واقتصادي، قائماً على أولوية الضبط الاجتماعي قبل الكفاءة الاقتصادية. وظلّ لسنوات طويلة أداة لشراء الاستقرار، أكثر من كونه محركًا للابتكار أو التنمية. فالتوظيف العام وإن كان يُفهم في كثير من الأحيان بوصفه سياسة اقتصادية، إلا أنه يُمارَس كأداة لإدارة الاستقرار الاجتماعي، تسير في أحيان بمنطق التوازنات الاجتماعية والمحسوبية، لا بمنطق الحاجات الاقتصادية الفعلية.

ومن هذا المنظور، فإن نقاشات إصلاح القطاع العام لا يجب أن تدور حول تقليل عدد الموظفين أو استخدام التقنية، بل بالدور والكيفية التي سيتم بها إدارة الدولة والمسؤوليات تجاه المجتمع.
تُشير بيانات البنك الدولي لعام 2024 إلى أن أكثر من 40% من خريجي الجامعات في بعض الدول العربية يفضلون القطاع العام على الخاص، لما يوفره من “أمان وظيفي”، حتى وإن كان على حساب الإبداع أو النمو. هذه الظاهرة، المتكررة في مجتمعات ما بعد الاستعمار، تعكس الخلل البنيوي في فلسفة العمل، وتُعبّر عن تشوّه في الحوافز الناجم عن غياب سوق تنافسية حقيقية. وفي هذا السياق، تُصبح الدولة، من حيث لا تدري، معيقة للنمو حين تُفرط في تأمين وظائف دون إنتاج، أو تُنفق على أجور دون تحفيز الأداء.

اللافت أن فاتورة الأجور الحكومية في بعض الدول العربية تفوق 11% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ8.9% كمعدل عالمي، وفق تقارير منظمة التعاون الاقتصادي وصندوق النقد الدولي. وتنبّه التقارير العالمية إلى أنّ النسبة المرتفعة في المنطقة لا يصاحبها ارتفاع حقيقي في معدلات كفاءة الخدمات العامة أو الإنتاجية في الدول العربية، وأن المشكلة ليست في حجم القطاع العام بحد ذاته، بل في هندسة وظائفه، وغياب آليات الحوكمة الرشيدة التي تضمن المساءلة وتُكافئ الكفاءة.

من هذا المنطلق، يبرز التحدي في العالم العربي كمسألة تتجاوز الأدوات التقنية والضغوط المالية، لتمس جوهر نموذج الدولة، إذ أن المطلوب هو التحول نحو دولة تفاعلية تدير التنمية بآليات الدولة الحديثة، التي تخلق بيئة مرنة للتطور وتواكب التغيرات وتعيد توجيه سياساتها بمرونة وفق مستجدات الواقع. وفي هذا الإطار، يمكن استلهام النماذج الرائدة مثل إستونيا وسنغافورة، التي حوّلت مؤسساتها إلى شبكات رقمية متكاملة تُدار بالأدلة وتُقيّم بالنتائج.

ولكي يتحقق هذا التحوّل، لا بد من الاعتراف بأن إصلاح القطاع العام لا يبدأ من التقنية، بل من الفلسفة المؤسسية ذاتها. فالتحوّل الرقمي ليس مجرد رقمنة للإجراءات، بل عقلنة السياسات، وإعادة تعريف القيمة التي تقدمها الدولة لمواطنيها. ولذلك، فإن الرقمنة يجب أن تُدمج مع بناء منظومات جديدة للحوافز، وتأسيس أنظمة بيانات حكومية تُوظف في صناعة القرار وليس فقط في أتمتة أو أرشفة المعاملات.
إضافة إلى ذلك، فإن إعادة هيكلة القطاع العام تستلزم إصلاحًا عميقًا في الثقافة الإدارية، عبر إعادة تشكيل هوية الموظف الحكومي بوصفه “فاعلًا تغييريًا” يساهم في تحسين الخدمات ورفع الكفاءة، وليس مجرد منفذ للأنظمة والتعليمات. وهذا يتطلب تطوير قدرات الكوادر الوظيفية على التفكير الاستراتيجي، والتحليل المعتمد على البيانات، واتخاذ القرارات القائمة على النتائج.
أما على مستوى السياسات الاقتصادية، فإن المطلوب اليوم هو التحول من نموذج تُهيمن فيه الدولة على النشاط الاقتصادي، إلى نموذج يُمكّن الاقتصاد من النمو بقيادة قوى إنتاجية متجددة. ويقتضي ذلك إعادة توجيه الإنفاق العام بعيدًا عن التوسّع في الوظائف الإدارية غير الضرورية والدعم غير الموجَّه، نحو استثمارات طويلة المدى في تنمية المهارات البشرية، وتطوير البنية التحتية الرقمية، والتعليم المرتبط بالتقنيات الحديثة.

ولكي لا يتحوّل الإصلاح إلى شعار فارغ، يجب أن يكون محكومًا بإطار مؤسسي واضح المعالم، يضمن استدامة التغيير وفاعليته. ويتطلب ذلك وجود مجالس مستقلة للحَوْكَمة تتولى مراقبة الأداء الحكومي، إلى جانب اعتماد موازنات عامة موجهة بالنتائج لا بالنفقات. كما يقتضي الأمر إرساء ميثاق واضح لحقوق المواطنين يضمن وصولهم المتكافئ إلى الخدمات والبيانات، وتفعيل نظام دوري لمؤشرات الأداء تُنشر بشفافية وتُقارن بأداء دول مماثلة، بما يسمح بقياس التقدم بشكل موضوعي وتحفيز التحسين المستمر.

ما تُظهره تجارب التحوّل في الإمارات والسعودية ومصر أن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي، إذا لم تُرافقها بنية مؤسسية قادرة على استيعاب التغيير. فالإصلاح المؤسسي يتطلب مقاومة مراكز النفوذ داخل الدولة، وتفكيك البيروقراطيات العميقة التي اعتادت على السلطة دون مسؤولية، والامتيازات دون نتائج.

ومع دخول التكنولوجيا إلى المجال الحكومي، يتكشّف دورها المركّب؛ فهي من جهة أداة للتطوير والتمكين المؤسسي، لكنها من جهة أخرى تكشف الأعطال المؤجلة حين تدخل فضاءات غير مستعدة للتحول البنيوي. مشاريع الرقمنة، حين لا تُدمج ضمن رؤية مؤسسية واضحة تقوم على الشفافية والمساءلة، قد تتحوّل من أداة تطوير إلى وسيلة جديدة لإخفاء مظاهر الخلل. فكما أن البيروقراطية التقليدية تُعطّل كفاءة العمل الحكومي، فإن رقمنة العمليات دون حوكمة فعالة قد تُنتج نوعًا مختلفًا من الإعاقة، أكثر تعقيدًا وأقل ظهورًا.

ومن هنا تبرز أهمية بناء البنى الرقمية استنادًا إلى مبادئ الحوكمة المنفتحة، التي تكرّس الشفافية، وتُعزز ثقة المواطن في المؤسسات من خلال إتاحة المعلومات، وتوازن العلاقة بين الدولة والمجتمع بما يُرسّخ مفهوم الرقابة المتبادلة والمسؤولية المشتركة.

المطلوب اليوم هو التركيز على تحسين جودة الخدمات من منظور المجتمع ككل، وإشراكه في تحديد الأولويات الوطنية وتقييم أثرها. كما يجب أن يتحوّل دور القطاع العام من الأدوار الجزئية والتقليدية، إلى جهاز يعمل وفق أهداف محددة، ومؤشرات قابلة للقياس، وموارد تُدار بالنتائج.

كما ينبغي إصلاح أنظمة التوظيف والترقيات لتستند إلى الجدارة لا الأقدمية، وتحديث بنية اتخاذ القرار لتكون قائمة على البيانات، لا على الاجتهادات الفردية. في النهاية، الدولة الفاعلة هي التي تضع أداء مؤسساتها تحت المجهر، وتربط الميزانيات بالأثر، وتستثمر في تطوير موظفيها باعتبارهم أداة التحول.

نجاح الإصلاحات سيُقاس بالقدرة على تحقيق نتائج ملموسة، في وقت محدد، وبموارد محدودة، يصبح فيه القطاع العام أداة لصنع الحلول لا فقط تنفيذها، ويصبح شريكًا حقيقيًا في التغيير، لا عبئًا هيكليًا يثقل كاهل التنمية.

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي بجامعة الدول العربية وعضو المكتب التنفيذي للاتحادات النوعية في الجامعة العربية.