المصدر: جريدة الوفد
أ.د. علي محمد الخوري
كل جيل في الشرق الأوسط يعتقد أنه يواجه أزمة مختلفة عن الأزمات التي عرفتها الأجيال السابقة. تتغير العناوين، وتتبدل التحالفات، وتظهر صراعات جديدة، ثم تختفي أخرى، لكن النتيجة النهائية تبدو متشابهة إلى حد بعيد. فبعد عقود من الحروب والتوترات والتسويات المؤقتة، ما زالت المنطقة تبحث عن الاستقرار الذي طال انتظاره، وما زالت كثير من الأسئلة التي طُرحت قبل نصف قرن حاضرة بصيغ مختلفة حتى اليوم.
وقد جرى تفسير هذه الأزمات بطرق متعددة. فهناك من يربطها بالصراعات السياسية، وهناك من يردها إلى التدخلات الخارجية، بينما يركز آخرون على العوامل الاقتصادية أو الانقسامات الاجتماعية. غير أن النظر إلى هذه العوامل كلٌّ على حدة لا يكفي لفهم الصورة كاملة. فالشرق الأوسط لم يكن يوماً ساحة لأزمة واحدة، بل منطقة تتداخل فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، ويتأثر فيها القرار السياسي بالموارد الطبيعية، كما تتقاطع فيها المصالح المحلية مع حسابات القوى الدولية.
ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذه المنطقة هو أن كثيراً من عناصر قوتها كانت في الوقت نفسه جزءاً من أسباب أزماتها. فالموقع الذي جعل الشرق الأوسط حلقة وصل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، جعله أيضاً موضع تنافس دائم بين القوى الكبرى. والممرات البحرية التي منحت المنطقة أهمية استراتيجية استثنائية، تحولت في أوقات كثيرة إلى نقاط توتر وصراع. كما أن الموارد الطبيعية التي وفرت الثروة والنفوذ لبعض الدول، أصبحت في مراحل أخرى مصدراً للتنافس والاصطفافات السياسية.
ولهذا، يصعب فهم أزمات المنطقة بمعزل عن الجغرافيا. فالمياه، على سبيل المثال، ليست مجرد قضية بيئية أو تنموية، بل أصبحت في عدد من الحالات جزءاً من معادلات الأمن القومي. والحدود التي رسمتها ظروف تاريخية مختلفة ما زالت تلقي بظلالها على علاقات دول الجوار. كما أن الممرات البحرية الحيوية، من مضيق هرمز إلى باب المندب وقناة السويس، جعلت المنطقة حاضرة بصورة دائمة في حسابات التجارة الدولية وأمن الطاقة العالمي.
لكن الجغرافيا وحدها لا تفسر كل شيء. فخلال العقود الماضية، شهدت المنطقة تحولات اقتصادية كبيرة، بعضها وفر فرصاً واسعة للنمو، وبعضها الآخر خلق تحديات جديدة. وقد استفادت دول من مواردها الطبيعية في بناء بنية تحتية حديثة وتحسين مستويات المعيشة، في حين واجهت دول أخرى صعوبات اقتصادية عميقة نتيجة محدودية الموارد أو تأثير الصراعات الممتدة.
ومع مرور الوقت، ظهرت مشكلة أخرى. فالكثير من الاقتصادات في المنطقة بقي مرتبطاً بعدد محدود من الأنشطة أو الموارد، الأمر الذي جعلها أكثر حساسية للتقلبات العالمية. وفي الوقت نفسه، دخلت أعداد كبيرة من الشباب إلى سوق العمل في ظل اقتصادات لم تنمُ بالسرعة الكافية لاستيعاب هذه التحولات الديموغرافية. ومع اتساع الفجوة بين الطموحات والفرص المتاحة، أصبحت القضايا الاقتصادية حاضرة في خلفية كثير من التوترات الاجتماعية والسياسية.
أما البعد السياسي، فقد كان دائماً الأكثر حضوراً في النقاشات المتعلقة بالشرق الأوسط. غير أن المشكلة لا تكمن في وجود الخلافات السياسية بحد ذاتها، فهذه الخلافات موجودة في معظم مناطق العالم، وإنما في غياب الأطر القادرة على إدارتها وتحويلها إلى منافسة سياسية طبيعية بدلاً من تحولها إلى أزمات ممتدة. ولهذا، فإن كثيراً من الصراعات التي بدأت بخلافات محدودة انتهت إلى مواجهات طويلة أثرت في المجتمعات والاقتصادات لعقود متتالية.
كما أن المنطقة دفعت ثمناً مرتفعاً لتحول بعض الخلافات المحلية إلى ساحات تنافس إقليمي ودولي. فحين تتداخل المصالح الخارجية مع الانقسامات الداخلية، تصبح معالجة الأزمات أكثر تعقيداً، وتزداد صعوبة الوصول إلى تسويات مستقرة وقابلة للاستمرار.
ورغم هذه الصورة، فإن التركيز المستمر على الأزمات وحدها لا يقدم فهماً كاملاً للمنطقة. فالشرق الأوسط شهد خلال العقود الأخيرة تجارب تنموية مهمة، ونجحت بعض دوله في بناء نماذج اقتصادية وإدارية مختلفة عما كان سائداً في السابق. كما أن عدداً من الاقتصادات الإقليمية استطاع تطوير قطاعات جديدة في التكنولوجيا والخدمات والصناعة والطاقة المتجددة، وبدأ يطرح أسئلة مختلفة تتعلق بالمستقبل أكثر من انشغاله بالماضي.
ومن هنا، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كانت المنطقة قادرة على الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المصالح المشتركة. فالتجارب الدولية تشير إلى أن العلاقات بين الدول تصبح أكثر استقراراً عندما ترتبط بمشروعات اقتصادية وتنموية طويلة الأجل، وعندما يصبح التعاون أكثر جدوى من الصراع. ولهذا، فإن ملفات المياه والطاقة والتجارة والنقل قد تكون في المستقبل أكثر تأثيراً في تشكيل علاقات المنطقة من كثير من الملفات التي سيطرت على المشهد خلال العقود الماضية.
كما أن التحولات الاقتصادية العالمية تفتح فرصاً جديدة أمام دول الشرق الأوسط. فالعالم يشهد تغيرات متسارعة في مجالات الطاقة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، وهي مجالات تملك المنطقة فيها عناصر قوة مهمة إذا أحسنت استثمارها. كما أن الموقع الجغرافي الذي كان سبباً في كثير من التنافسات التاريخية يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة اقتصادية أكبر في عالم تتزايد فيه أهمية الربط التجاري واللوجستي بين القارات.
ولعل ما يميز المرحلة الحالية أن كثيراً من التحديات التي تواجه المنطقة لم تعد قابلة للحل من خلال الأدوات التقليدية وحدها. فالأمن لم يعد منفصلاً عن الاقتصاد، والاقتصاد لم يعد منفصلاً عن التعليم والتكنولوجيا والموارد الطبيعية. ولهذا، فإن التعامل مع أزمات الشرق الأوسط يتطلب رؤية تنظر إلى هذه الملفات بوصفها أجزاء من صورة واحدة، لا كقضايا منفصلة يمكن معالجتها كل على حدة.
وربما لهذا السبب بقيت المنطقة تدور طويلاً حول التساؤلات نفسها. فالمشكلة لم تكن دائماً في نقص الموارد أو غياب الفرص، بل في صعوبة بناء توازن مستقر بين الجغرافيا والاقتصاد والسياسة. ومن هنا، فإن ما يمكن المراهنة عليه هو أن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بقدرته على إنهاء أزماته الحالية، وإنما بقدرته على بناء نمط مختلف من العلاقات والمصالح يجعل الاستقرار خياراً أكثر فائدة من الصراعات، والتنمية أكثر حضوراً من الأزمات التي استهلكت جانباً كبيراً من تاريخ المنطقة الحديث.
