الاستزراع السمكي العربي

مدة القراءة 6 دقائق
القاهرة

المصدر: جريدة الوفد

أ.د. علي محمد الخوري

أصبح الاستزراع السمكي أحد المكونات الرئيسة للأمن الغذائي العالمي. فقد وصلت المصايد البحرية الطبيعية إلى حدودها البيولوجية في كثير من مناطق العالم، بينما يستمر الطلب على البروتين البحري في الارتفاع مع زيادة السكان وتحسن مستويات الدخل. وأمام هذا التحول تغيرت وظيفة الاستزراع السمكي؛ فلم يعد بديلاً للصيد البحري، وإنما أصبح المصدر الرئيس للنمو في إنتاج الأغذية المائية، وأحد القطاعات التي يعاد من خلالها رسم خريطة الاستثمار الزراعي والغذائي.

وتوضح بيانات منظمة الأغذية والزراعة أن إنتاج الاستزراع المائي تجاوز لأول مرة في التاريخ إنتاج المصايد الطبيعية من الحيوانات المائية، ليصل الإنتاج العالمي للاستزراع إلى 130.9 مليون طن عام 2022، بقيمة أولية تقدر بنحو 313 مليار دولار، بينما بلغ إجمالي إنتاج المصايد والاستزراع معاً 223.2 مليون طن. هذا التحول ينوه إلى انتقال مركز الثقل في إنتاج الغذاء البحري من البحر المفتوح إلى المزارع المائية المنظمة، وهو تحول مرشح للاستمرار خلال العقود المقبلة مع ثبات إنتاج المصايد الطبيعية تقريباً.

هذا التحول يغيّر الأسس التي يقوم عليها مفهوم الأمن الغذائي. فقد أصبح امتلاك القدرة على إنتاج البروتين داخل الحدود الوطنية جزءاً من الأمن الاستراتيجي للدول، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على الواردات الغذائية أو تواجه اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية. ومن هذه الزاوية يكتسب الاستزراع السمكي أهمية خاصة في العالم العربي، حيث يجتمع النمو السكاني، وارتفاع استهلاك الأغذية البحرية، ومحدودية الموارد الطبيعية في عدد من الدول، مع الحاجة إلى تنويع الاقتصادات بعيداً عن القطاعات التقليدية.

ويمتلك العالم العربي مقومات يصعب تجاهلها. فالسواحل العربية تمتد آلاف الكيلومترات على البحر الأحمر والخليج العربي والبحر المتوسط والمحيط الأطلسي والبحر العربي، إلى جانب مساحات واسعة تصلح للاستزراع الداخلي، فضلاً عن توافر أسواق استهلاكية كبيرة واستثمارات تبحث عن قطاعات إنتاجية طويلة الأجل. ومع ذلك، لم تتحول هذه المقومات إلى صناعة عربية متكاملة، لأن الاستثمار ظل يتجه في كثير من الأحيان إلى التوسع في الإنتاج قبل بناء المنظومة التي يقوم عليها الإنتاج.

فصناعة الاستزراع السمكي لا تبدأ بالأحواض، وإنما تبدأ بالمعرفة. تبدأ بإنتاج الزريعة، وتطوير السلالات، وتصنيع الأعلاف، وإدارة المياه، ومراقبة الأمراض، ثم تنتهي بالتصنيع والتسويق والتصدير. وكل حلقة مفقودة في هذه السلسلة ترفع تكلفة الإنتاج وتزيد الاعتماد على الخارج. ولهذا فإن الدول التي تقود الصناعة عالمياً لا تحقق تفوقها بسبب كثرة المزارع، وإنما بسبب امتلاكها منظومة متكاملة للبحث العلمي والإنتاج والخدمات المساندة.

وتغيرت التكنولوجيا التي تقوم عليها هذه الصناعة خلال العقدين الأخيرين بصورة عميقة. فلم تعد المزارع الحديثة تعتمد على زيادة المساحات المائية، بل على رفع إنتاجية وحدة المياه نفسها. وأصبحت أنظمة الاستزراع المغلقة وإعادة تدوير المياه (RAS)، وتقنيات الاستشعار، والذكاء الاصطناعي، والرؤية الحاسوبية، والتحليل المستمر لجودة المياه، أدوات إنتاج أساسية في المزارع المتقدمة. هذا التحول أدى إلى خفض استهلاك المياه، وتقليل الفاقد، وتحسين معدلات النمو، وتقليص فرص انتشار الأمراض، وهي عناصر تكتسب أهمية مضاعفة في البيئات العربية التي تعاني محدودية الموارد المائية.

ويفتح ذلك باباً مختلفاً للاستثمار. فالقيمة المستقبلية كما أشرنا لن تتحدد بعدد الأحواض أو الأقفاص البحرية، وإنما بامتلاك التقنيات التي تديرها. والشركات التي تطور أنظمة المراقبة، وبرامج التغذية الذكية، والحساسات البيئية، وتقنيات التحليل الحيوي، قد تحقق عائد اقتصادي يفوق عائد كثير من المزارع التقليدية، لأن المعرفة أصبحت جزءاً من المنتج نفسه، لا خدمة تضاف إليه بعد الإنتاج.

وتبرز الأعلاف مثالاً واضحاً على هذا التحول. فهي تمثل النسبة الأكبر من تكاليف التشغيل في كثير من المزارع السمكية، كما يعتمد جزء من إنتاجها العالمي على دقيق وزيت الأسماك المستخرجين من المصايد الطبيعية. ولذلك تتجه الأبحاث إلى تطوير أعلاف تعتمد على البروتينات النباتية، والطحالب، والحشرات، والمصادر الحيوية البديلة، بهدف خفض التكلفة وتقليل الضغط على المخزون السمكي الطبيعي. والدخول العربي إلى هذه الصناعات لا يقل أهمية عن الاستثمار في إنتاج الأسماك نفسه، لأنه يضيف قيمة صناعية ويخفض فاتورة الاستيراد.

لكن الصناعة في العالم العربي تواجه تحديات تتجاوز التمويل. فالإجراءات التنظيمية في بعض الدول ما تزال بطيئة، وتختلف معايير الترخيص والرقابة البيئية من سوق إلى أخرى، كما أن المختبرات المتخصصة في تشخيص الأمراض وإنتاج الزريعة وتحسين السلالات ما تزال محدودة مقارنة بحجم السوق المتوقع. ويضاف إلى ذلك النقص في الكوادر المتخصصة في إدارة المزارع الحديثة، وهو نقص لا يمكن تعويضه باستيراد التكنولوجيا وحدها، لأن تشغيل الأنظمة الرقمية يحتاج إلى خبرات محلية قادرة على تطويرها وصيانتها وتحسينها باستمرار.

ويفرض تغير المناخ تحدي إضافي على القطاع. فارتفاع درجات حرارة المياه، وزيادة الملوحة في بعض المناطق، وتكرار الظواهر المناخية المتطرفة، كلها عوامل تؤثر في الإنتاج وصحة الأسماك وكفاءة التشغيل. ومن ثم فإن الاستثمار في البحث العلمي يصبح الوسيلة لحماية الاستثمارات نفسها.

ما تحتاج إليه المنطقة هو النظر إلى الاستزراع السمكي بوصفه صناعة متكاملة، لا نشاطاً زراعياً منفرداً. فالمزرعة الناجحة تخلق طلباً على الأعلاف، واللقاحات، والمختبرات، والنقل المبرد، والتصنيع الغذائي، والخدمات اللوجستية، والتأمين، والتمويل، والتقنيات الرقمية. وكل توسع في هذه السلسلة يضاعف الأثر الاقتصادي ويوسع فرص العمل ويزيد القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.

إن المنافسة العالمية في هذا القطاع لن تُحسم بحجم الإنتاج، بل بكفاءة الإنتاج وقدرته على الاستدامة. والدول التي تبني منظومة تجمع الاستثمار بالبحث العلمي والتكنولوجيا والتشريع والكوادر البشرية ستملك موقعاً أكثر استقراراً في سوق الأغذية البحرية خلال العقود المقبلة. العالم العربي، يمتلك الموقع الجغرافي، والأسواق، ورأس المال، والطلب المحلي، وهي عناصر كافية لبناء صناعة إقليمية قادرة على المنافسة. العنصر الحاسم هنا سيبقى يدور حول آلية الاستثمار في المعرفة التي ستجعل هذه المزارع أكثر إنتاجاً واستدامة وربحية.

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي بجامعة الدول العربية وعضو المكتب التنفيذي للاتحادات النوعية في الجامعة العربية.