المصدر: المصور
القاهرة
في إطار التحولات الاقتصادية الراهنة، يصبح التحول الرقمي أحد المحاور الأساسية التي لا يمكن تجاهلها، حيث بات يشكل عامل قوة رئيسياً في تحديد القدرة التنافسية للدول. في هذا السياق، تحدث المستشار الدكتور خيري أحمد الكباش، رئيس لجنة السياسات والتشريعات بالاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي، عن أهمية التحول الرقمي في الوقت الحالي، معتبرًا أنه أصبح حاجة استراتيجية ملحة، وليس مجرد خيار تنموي. نظراً للسرعة التي يتسارع بها العالم نحو الاقتصاد الرقمي الذي يعتمد على تقنيات متطورة مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والحوسبة السحابية، وهو ما يفرض على الدول العربية إعادة النظر في نماذجها الاقتصادية التقليدية.
وأضاف في حواره مع “المصور” أن الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي الذي تأسس في إطار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بجامعة الدول العربية، يمثل مبادرة رائدة تهدف إلى تعزيز التحول الرقمي في المنطقة من خلال تطوير رؤى استراتيجية وإطلاق مبادرات عملية، إلى بناء شراكات دولية تسهم في تعزيز الدور العربي في الاقتصاد الرقمي العالمي.
حوار: محمود قنديل
بدايةً، حدثنا عن صياغة رؤية الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي وأهم محاوره؟
يضطلع الاتحاد بمساهمة حثيثة في إعداد الرؤية عربية العربية للاقتصاد الرقمي، وهي إطار استراتيجي يهدف إلى مساعدة الدول العربية نحو بناء اقتصاد رقمي متكامل قائم على المعرفة والتكنولوجيا، بمشاركة لفيف من الخبرات العالمية، على رأسها جامعة هارفارد الأمريكية والبنك الدولي والأمم المتحدة وجامعة القاهرة، ومجموعة كبيرة من الخبراء والمؤسسات الدولية والعربية.
جاءت هذه الرؤية استجابة للتغيرات العميقة التي يشهدها الاقتصاد الرقمي العالمي، حيث أضحت التقنيات الرقمية عنصراً رئيسياً في جميع القطاعات الاقتصادية من الصناعة والخدمات إلى التجارة والتعليم والمالية، وهي تمثل إطاراً مرجعياً يساعد صناع القرار في الدول العربية على صياغة السياسات الوطنية المرتبطة بالتحول الرقمي بما يتماشى مع المتغيرات الاقتصادية العالمية، وتطرح الرؤية مجموعة من المحاور الرئيسية التي تشمل هذه الرؤية تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز الابتكار، وتنمية المهارات الرقمية، وتحفيز الاستثمار في التكنولوجيا، إضافة إلى دعم التكامل بين الدول العربية.
هل قدم الاتحاد أي مبادرة للتعليم الرقمي أو منصات معلوماتية وبرامج تدريبية
بالتأكيد، أطلق الاتحاد مبادرة المنصة العربية للتعليم الرقمي بالتعاون مع اتحاد الجامعات العربية، وهي منصة تهدف إلى توفير برامج تدريبية وتعليمية باللغة العربية في مجالات الاقتصاد الرقمي وريادة الأعمال والتكنولوجيا، ونهدف هذه المبادرة إلى دعم بناء جيل جديد من الكفاءات العربية القادرة على التعامل مع متطلبات الاقتصاد الرقمي، من خلال تقديد محتوى تعليمي حديث يعتمد على أدوات التعلم الرقمي والتفاعلي، وذلك من خلال التعاون مع الجامعات والمؤسسات التعليمية العربية لتطوير برامج تدريبية متخصصة تسهم في تأهيل الشباب لسوق العمل في القطاعات الرقمية، ويمثل هذا المشروع أحد المحاور الأساسية في رؤية الاتحاد لتعزيز المعرفة الرقمية في المنطقة، باعتبار أن بناء القدرات البشرية يمثل الركيزة الأساسية لأي تحول اقتصادي مستدام.
هل ترجمت هذه المبادرات إلى نتائج عملية في توظيف التكنولوجيا لدعم الاقتصاد؟
يعمل الاتحاد دائماً على تطوير مبادرات عملية تسهم في توظيف التكنولوجيا في دعم التجارة والاقتصاد، ولعل من أبرز هذه المبادرات السوق العربي الرقمي للغذاء المعروف باسم Arab Food Hub ، وهو منصة رقمية تهدف إلى دعم التجارة في قطاع الأغذية والمنتجات الزراعية بين الدول العربية، وتقوم فكرة المشروع على إنشاء سوق رقمية تربط بين المنتجين والمصدرين والمستوردين في المنطقة، بما يسهم في تسهيل حركة التجارة وتعزيز التكامل الاقتصادي العربي، كما يعتمد المشروع على استخدام تقنيات رقمية متقدمة مثل تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لتحسين عمليات التسويق والتبادل التجاري.
بالإضافة إلى هذا المشروع الحيوي، فإن للاتحاد مشاريع أخرى في القطاع الزراعي والتجاري، مثل منصة محاصيل المصرية التي يدعمها الاتحاد ويسهم في تنميتها، والتي تدعم تصدير الحاصلات الزراعية المصرية وتضمن حوكمة إجراءات التصدير، بالإضافة إلى خدمات زراعية أخرى تعتمد على البلوك تشين والذكاء الاصطناعي لتوفير خدمات الإرشاد الزراعي وضبط حركة التقاوي والأسمدة بطريقة ذكية، ويسعى الاتحاد قريباً لنقل تلك التجربة إلى سائر أنحاء العالم العربي.
ما مدى التناغم والمواءمة بين الدول العربية لتحقيق أكبر استفادة من الفرص التي يتيحها الاتحاد؟
يمثل العمل المؤسسي المشترك بين الدول العربية عاملاً أساسياً في تعزيز قدرة المنطقة على الاستفادة من الفرص التي يتيحها هذا التحول، ومن خلال مبادراته المختلفة يسعى الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي إلى الإسهام في بناء منظومة عربية متكاملة تدعم الابتكار والتكنولوجيا وتفتح آفاقاً جديدة للتنمية الاقتصادية، ويبقى التحدي الأكبر في تحويل هذه المبادرات إلى مشروعات عملية واسعة النطاق تسهم في خلق فرص العمل وتعزيز تنافسية الاقتصادات العربية في عالم يتجه بسرعة نحو الرقمنة.
هل للدولة المصرية دور فعال في دعم مسيرة التحول الرقمي العربي للاقتصاد؟
تمثل مصر أحد المحاور المهمة في منظومة الاقتصاد الرقمي العربي، نظرا لما تمتلكه من قاعدة بشرية واسعة وخبرات علمية ومؤسسات تعليمية وبحثية راسخة. وفي هذا الإطار يعمل الاتحاد على تعزيز التعاون مع المؤسسات الأكاديمية والبحثية المصرية، إلى جانب دعم المبادرات التي تسهم في تطوير الاقتصاد الرقمي في المنطقة. كما تمثل مصر سوقا واعدة للعديد من المبادرات الرقمية العربية، سواء في مجالات التعليم الرقمي أو التجارة الإلكترونية أو الابتكار التكنولوجي. ويعكس هذا التعاون إدراكا متزايدا لأهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه مصر في دعم مسيرة التحول الرقمي العربي، خاصة في ظل التطور المتسارع الذي تشهده البنية التحتية الرقمية في البلاد
ما رؤية لجنة السياسات والتشريعات بالاتحاد لتحقيق الحماية القانونية الكافية لمكوناته البشرية والإنتاجية؟
دعت لجنة السياسات والتشريعات إلى إطلاق ميثاق عربي موحد للاقتصاد الرقمي باعتباره ركيزة تشريعية واستراتيجية لإنشاء سوق رقمية عربية مشتركة قادرة على المنافسة عالميا، وضمان حماية المستهلك والمنتج والعامل العربي في الفضاء الرقمي، وطرحت هذا المقترح خلال اجتماع اللجنة الاقتصادية والمالية في البرلمان العربي، خاصةً أن الاقتصاد الرقمي العربي لن يبلغ مرحلة التنافسية العالمية، ولن يحقق الحماية القانونية الكافية لمكوناته البشرية والإنتاجية، ما لم تنتقل الدول العربية من مبادرات رقمية متفرقة إلى إطار عربی قانونی موجد قابل للتنفيذ ينظم حركة البيانات والمدفوعات والخدمات الرقمية الأساسية ضمن ولاية قانونية عربية مشتركة.
هل وضعت اللجنة التشريعية للاتحاد قواعد قانونية لحوكمة الذكاء الاصطناعي؟
بالفعل، يمثل الذكاء الاصطناعي الركيزة الأكثر تأثيرا في تطور الاقتصاد الرقمي، كما أن غياب إطار عربي موحد يجعل تطبيقاته في المنطقة عرضة للتفاوت التنظيمي وضعف الحماية القانونية وغياب المعايير الأخلاقية. فمشروع الميثاق العربي سيوفر مرجعية تشريعية لوضع قواعد موحدة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، تشمل حماية البيانات الشخصية، وضمان الشفافية وعدم التمييز الخوارزمي، وتحديد المسؤولية القانونية عن قرارات الأنظمة الذكية، بما يحقق توازنا دقيقا بين تشجيع الابتكار التكنولوجي وحماية الحقوق والحريات الأساسية.
