القاهرة – الجامعة العربية
شارك الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي في الاجتماعات التأسيسية للجنة العربية للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات البازغة، التي عُقدت في القاهرة يومي 18 و19 مايو 2026، كما شارك في الاجتماعات الاستشارية الجانبية التي نظمتها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، لمناقشة مستقبل التنمية الاقتصادية في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة.
ويأتي انعقاد هذه الاجتماعات تنفيذاً لقرار الدورة التاسعة والعشرين لمجلس الوزراء العرب للاتصالات والمعلومات بشأن إنشاء لجنة عربية دائمة للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات البازغة تحت مظلة المجلس، بهدف التعاون العربي المشترك وتطوير السياسات والمبادرات المرتبطة بالتقنيات الحديثة.
وشهدت الاجتماعات مناقشة تشكيل الفرق الفنية المتخصصة وتحديد أولويات العمل خلال المرحلة المقبلة، حيث اتفق المشاركون على إنشاء مجموعة من اللجان الفرعية المتخصصة تُشكل إطاراً دائماً للتنسيق العربي في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة، والتركيز على دعم بناء القدرات وتبادل الخبرات وتحقيق مستهدفات التنمية المستدامة.
وخلال مداخلات الاتحاد، تم التأكيد على أهمية مضاعفة الاستثمارات العربية الموجهة نحو تعظيم القيمة الاقتصادية والسيادة الرقمية المرتبطة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع الإشارة إلى أن التقديرات الحالية للعائد الاقتصادي المتوقع للمنطقة العربية بحلول عام 2030 لا تزال أقل من نصف نصيبها العادل مقارنة بحجمها السكاني، إذا ما قورنت بالتقديرات العالمية التي تتجاوز 16 تريليون دولار.

وفي اليوم الثاني، وخلال الاجتماعات الاستشارية التي نظمتها الإسكوا، ألقى الدكتور أيمن غنيم، الأمين العام المساعد للاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي، كلمة رئيسية حذر فيها من تفاقم ما وصفه بـ “متلازمة الأتمتة”، موضحاً أنها تمثل حلقة اقتصادية واجتماعية متكررة تبدأ بسعي المؤسسات والشركات إلى رفع الكفاءة وخفض التكاليف عبر التوسع في الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية، ثم تؤول تدريجياً إلى إزاحة قطاعات من القوى العاملة البشرية من سوق العمل. وأن ذلك كفيل بأن ينعكس ذلك لاحقاً على انخفاض مستويات الدخل وتراجع نسبة الأفراد المنخرطين في سوق العمل من الذين يمتلكون دخلاً مستقراً، ويؤدي بالتسلسل إلى تراجع القوة الشرائية للمجتمعات، ويؤثر بصورة مباشرة على معدلات النمو والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وأشار غنيم إلى أن هذه القضية تكتسب أهمية مضاعفة في المنطقة العربية، في ظل استمرار معدلات بطالة الشباب عند مستويات مرتفعة تُقدّر بنحو 26% وفقاً لعدد من التقديرات الإقليمية والدولية.
واستندت مداخلة الاتحاد إلى تقارير ودراسات دولية تشير إلى أن موجات الأتمتة واسعة النطاق قد تؤدي إلى تحولات كبيرة في توزيع الدخل وفرص العمل على المستوى العالمي، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن نسبة القوى العاملة التي قد تتأثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة بهذه المتغيرات قد تتراوح بين 22% و40%، وهو ما يستدعي تطوير آليات استباقية تضمن تحقيق توازن مستدام بين التقدم التكنولوجي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، طرح الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي رؤية تدعو إلى تبني توجه دولي إيجابي يركز على إنشاء “صندوق عالمي للانتقال العادل” باعتباره أولوية استراتيجية تهدف إلى الاستعداد المبكر للتعامل مع التحولات المرتقبة قبل تفاقم آثارها، بدلاً من الانتظار حتى تتحول إلى تحديات اقتصادية واجتماعية واسعة النطاق تستدعي معالجات متأخرة أو جزئية.
وأوضح الاتحاد أن آليات تمويل هذا الصندوق ينبغي أن تكون محل توافق ونقاش دولي واسع، بحيث يمكن أن تشمل مساهمات من كبرى الشركات العالمية المصنعة للروبوتات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الجهات والمؤسسات التي تستفيد بصورة مباشرة من عمليات الإحلال واسعة النطاق للعمالة البشرية عبر الأتمتة والأنظمة الذكية، وبما يضمن توزيعاً أكثر توازناً للمسؤولية الاجتماعية المصاحبة للتحولات التقنية الكبرى.
وبيّن الاتحاد أن الهدف من هذا الصندوق يتمثل في إدارة التحولات الاقتصادية بصورة أكثر استدامة وعدالة، من خلال تخصيص الموارد لتمويل برامج إعادة التأهيل والتدريب المهني، وتوفير دعم انتقالي مؤقت للفئات المتأثرة بالتغيرات الهيكلية في سوق العمل، بما يمنحها الوقت والقدرة الكافية لاكتساب مهارات جديدة وإعادة الاندماج في الاقتصاد وسوق العمل.
واختتم الاتحاد مشاركته بالتأكيد على أن نجاح الاقتصاد الرقمي لا ينبغي أن يُقاس فقط بحجم الإنتاجية أو أرباح الشركات، بل بقدرته على الحفاظ على التوازن الاجتماعي والاقتصادي، مُشدداً على أن التكنولوجيا يجب أن تظل وسيلة لتمكين الإنسان لا بديلاً عنه، وأن استدامة القدرة الاقتصادية في نهاية المطاف تعتمد على وجود مجتمعات تمتلك القدرة على العمل والإنتاج والاستهلاك.