المصدر: جريدة الوفد
أ.د. علي محمد الخوري
يشهد العالم اليوم تحوّلات بنيوية مع صعود الرقمنة والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والبيانات الضخمة كبنى تحتية جديدة في الاقتصاد العالمي. ووفقًا لهذه التحوّلات، فإن موقع الدول في النظام الدولي وسلاسل القيمة لم يعد يُحدده رأس المال التقليدي وحده، بل بقدرتها على امتلاك وتطوير هذه التقنيات.
في ضوء ذلك، يجد العالم العربي نفسه في وضع ملتبس؛ إذ يجمع بين طاقة بشرية شابة واحتياطات طبيعية تؤهله لفرص واسعة، لكنه ما زال يواجه فجوة واضحة بين سياساته حول “التحوّل الرقمي” وبين قدرته الفعلية على بناء منظومات تكنولوجية وتعليمية تواكب هذا التحول وتحوّله إلى مكسب استراتيجي.
على مستوى البنية الرقمية، تكشف البيانات عن صورة مزدوجة. فمتوسط نسبة مستخدمي الإنترنت في عدد من الدول العربية يتجاوز سبعةً وثمانين في المئة من السكان عام 2023، مع وصول بعض الدول الخليجية إلى نسب اختراق تقارب أو تبلغ مئة في المئة، غير أن مناطق عربية أخرى ما زالت بعيدة عن هذا السقف، وتعاني فجوات في الوصول وجودة الخدمة. وفي الوقت ذاته، تظهر تقارير بحثية أن الإنفاق على البحث والتطوير في معظم الدول العربية يدور حول 0.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بمتوسط يتراوح بين 2 و4 في المئة في الاقتصادات المتقدمة، ما يعني أن البنية الرقمية القائمة لا تُسندها قاعدة معرفية وبحثية كافية لبناء اقتصاد معرفة حقيقي. هذا الخلل بين انتشار أدوات الاتصالات وضعف الاستثمار في المعرفة يجعل جزءًا كبيرًا من النشاط الرقمي استهلاكيًا أكثر منه إنتاجيًا.
وتتجلى الفجوة بصورة أكثر حدّة حين ننظر إلى التعليم وسوق العمل. فبحسب تقديرات منظمة العمل الدولية، سجّل معدل بطالة الشباب في الدول العربية نحو 28 في المئة عام 2023، وهو الأعلى عالميًا، مع نسبة مرتفعة من الشباب خارج العمل والتعليم والتدريب في الوقت نفسه. هذه الأرقام تكشف عن خلل في مواءمة أنظمة التعليم مع متطلبات الاقتصاد الرقمي. فما زالت المناهج في كثير من البلدان تعتمد على مناهج الحفظ والتلقين، فيما تتطلب أسواق المستقبل مهارات التحليل والتفكير النقدي والبرمجة والأمن السيبراني والتعامل مع البيانات الضخمة. ومع اتساع الهوّة بين ما يقدمه التعليم وما يحتاجه الاقتصاد، تتسرب الكفاءات إلى الخارج، فيما تبقى الطاقات البشرية في الداخل معطّلة عن الإسهام في التنمية والإنتاج.
على مستوى الاقتصاد السياسي، يترجم هذا الوضع إلى موقع غير مُستثمَر بالشكل الأمثل في خريطة الثورة الرقمية. فالتقارير الدولية تشير إلى أن التبني الشامل للتقنيات الرقمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يمكن أن يرفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من أربعين في المئة، ويخلق ملايين الوظائف الجديدة، ويقلّص البطالة المزمنة إذا ما أُحسن تصميم السياسات. غير أن هذه الإمكانات تصطدم بواقع إنفاق محدود على البحث والابتكار، وضعف في البيئة التشريعية، وتردد في الانتقال من نموذج الدولة الريعية أو الاقتصاد المعتمد على الموارد إلى نموذج الاقتصاد القائم على المعرفة والمهارة.
إزاء هذا المشهد، لا يمكن اختزال “الفجوة الرقمية العربية” في نقص شبكات الاتصالات الحديثة أو البنية التحتية التقنية؛ فالمسألة أكبر من ذلك بكثير، كونها ترتبط بقدرة الدولة والمجتمع على تطوير منظومات المعرفة والإدارة والتعليم، التي أصبحت الأدوات المحددة لموقع الدولة في البنية الاقتصادية العالمية. وإذا ما استمرت الجامعات والمدارس في المنطقة في تخريج أجيال غير مهيأة للتعامل مع عالم تحكمه الخوارزميات والبيانات، فإن النتيجة ستكون اتساع الفارق، وتراجع القدرة على إنتاج المعرفة وتحويل التكنولوجيا إلى قيمة مُنتجة.
ومع ذلك، يظل الباب مفتوحًا أمام مسار بديل. إذ يمكن للدول العربية، إذا ما وضعت سياسات بعيدة المدى، أن تعيد توجيه استثماراتها من الاقتصار على البنى الصلبة إلى الاستثمار في “البنى الذهنية”، أي في المورد البشري بوصفه حاملاً لرأس مال معرفي يمكن أن يتحول إلى مورد تنافسي عالمي. ولكن ذلك يتطلب رؤية إصلاحية شاملة تعيد تصميم المناهج على أساس مهارات القرن الحادي والعشرين، وتربط الجامعات بمراكز الأبحاث والصناعة، وتُحوّل ثقافة التعليم المستمر إلى جزء من بنية سوق العمل. كما يستدعي ذلك رفع الإنفاق على البحث والتطوير تدريجيًا إلى مستويات تقترب من المتوسط العالمي، وإنشاء حاضنات ومسرّعات أعمال تستقطب المواهب المحلية والعائدة من الخارج، وتوفّر لها بيئة إنتاج معرفي حقيقية.
وعلى مستوى السياسات، يمكن قراءة هذا التحول في إطار نظريات الاقتصاد السياسي التي ترى أن اللحظات التقنية الكبرى تفتح “نوافذ تاريخية” لإعادة تموضع الأقاليم في النظام العالمي. وإذا ما أحسن العالم العربي استثمار هذه اللحظة، معوِّلًا على طاقته الشبابية الكبيرة وعلى ما تحقق من بنى رقمية أساسية، فبإمكانه الانتقال من دور المستهلك والمتلقي، إلى دور المنتج والمساهم في صناعة التكنولوجيا، والتحول من اقتصاد مستورد إلى اقتصاد مبتكر في سلاسل القيمة الرقمية، سواء في تطوير البرمجيات أو صناعة المحتوى أو الخدمات المعرفية العابرة للحدود.
في المقابل، إذا بقيت المنطقة حبيسة الإصلاحات الجزئية التي لا تعالج المشكلة من جذورها، ولم تطوّر منظومتها التعليمية والتقنية بما يواكب التحولات الحالية، فإن الثورة الرقمية الجارية ستمرّ من فوقها لا من خلالها. عندها لن يكون الخطر مقتصرًا على خسارة الفرص الاقتصادية، بل على تكّون تقسيم عالمي جديد، تُنتج فيه الابتكارات والمعرفة في مجموعة قليلة من الدول في حين تعتمد الدول الأخرى على ما تنتجه الدول الأقوى دون أن يكون لها دور إنتاجي. وعندها سيظل الذكاء الاصطناعي والبيانات والمنصات الكبرى خارج العالم العربي، فيما يبقى الشباب العربي بين بطالة داخل بلاده وفرص محدودة ومشروطة خارجها.
إن مسؤولية صُنّاع القرار وراسمي السياسات أبعد بكثير من تطوير القطاع التعليمي أو تحديث البنية الرقمية. القضية تتعلق بالخيارات الكبرى التي ستحدد موقع المنطقة في عالم محكوم بقبضة القوة المعرفية والتكنولوجية. تقدم الدول العربية معتمد بقدرتها على تشييد قاعدة معرفية؛ قاعدة تنتج الباحثين والمهندسين وروّاد الأعمال، وتنشئ شركات قادرة على إنتاج حلول تكنولوجية تستجيب لحاجات المجتمع وتتفاعل مع تحدياته المتسارعة. ويفترض بالمؤسسات التعليمية أن تتحول إلى فضاءات لصناعة مهارات الاقتصاد الجديد وتؤسس لثقافة الابتكار والتعلم المستمر، لكي ينتقل التعليم والتكنولوجيا من مستوى المبادرات والبرامج التنموية إلى مرتبة الأعمدة التي تُشيِّد القوة العربية.
