منظومة الثقافة والتعليم العربية أمام الهيمنة التكنولوجية العالمية

مدة القراءة 7 دقائق
القاهرة

المصدر: جريدة الوفد

أ.د. علي محمد الخوري

يشكّل ضعف منظومة التعليم والثقافة العربية في مواجهة الطفرة التكنولوجية والذكاء الاصطناعي ثغرة بنيوية في منظومة القوة العربية، ويكشف عن خلل قطاعي لا يمكن ترميمه بالإصلاحات الجزئية. ففي عالم يتسابق نحو “اقتصاد المعرفة المبرمجة”، تصبح المدارس والجامعات والمختبرات والمنصات الرقمية أدوات لنقل المعرفة، وفي الوقت نفسه أدوات لبناء النفوذ والقدرة التنافسية في الاقتصاد المعاصر. وكلما تأخر العالم العربي في إدراك هذا التحول، ازداد خطر أن يتحول إلى ساحة استهلاك للتقنيات الأجنبية التي لا يمكن التحكم في شكلها أو تأثيرها.

تشير بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن نحو 69% من سكان الدول العربية يستخدمون الإنترنت، وهي نسبة توازي المتوسط العالمي تقريبًا، لكنها تخفي وراءها تفاوتًا حادًا بين دول خليجية اقتربت من الشمول الرقمي، وأخرى تعاني من بنى تحتية متواضعة وقطاعات واسعة خارج الفضاء الرقمي. هذا التفاوت لا يعكس فقط الفروقات في قدرات الوصول إلى التكنولوجيا، بل يترجم عمليًا إلى تفاوت في قدرة المنظومات التعليمية على مواكبة متطلبات أسواق العمل، التي أصبحت تعيد رسم احتياجاتها اعتماداً على المهارات الرقمية والقدرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وما تجمع عليه التقارير الدولية هو أن مهارات الذكاء الاصطناعي والمهارات الرقمية المتقدمة تُعد “عملة التوظيف الجديدة” في اقتصادات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إذ سيكون مستوى تمكّن الشباب من هذه المهارات العامل الفاصل في تحديد فرصهم ومكانتهم داخل سوق العمل القادم.

في المقابل، لا يزال الإنفاق العربي على البحث والتطوير العلمي متواضعًا مقارنة بالمتوسطات العالمية. فبيانات البنك الدولي واليونسكو تظهر أن متوسط الإنفاق على البحث والتطوير في الدول العربية لا يتجاوز نحو 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل نسب أعلى بكثير في الاقتصادات المتقدمة، تصل إلى ما يفوق 2 أو 3% في بعض الدول الصناعية. وهذا الخلل في الاستثمار المعرفي يقابله ضعف في إنتاج المحتوى الرقمي العربي؛ فعلى الرغم من أن اللغة العربية تُعد ضمن أكثر اللغات استخدامًا على الإنترنت من حيث عدد المستخدمين، إذ تمثل نحو 5% من مستخدمي الشبكة، إلا أن تقديرات عدة تشير إلى أن المحتوى المنتج بالعربية لا يتجاوز 3% من إجمالي المحتوى الرقمي عالميًا، ما يعني أن الفضاء الرقمي لا يعكس وزن الناطقين بالعربية ولا عمق إرثهم الحضاري.

هذا التفاوت بين عدد المستخدمين العرب وضآلة المحتوى العربي يؤثر على أداء نماذج الذكاء الاصطناعي؛ فالنماذج اللغوية الكبرى تتغذى على كميات هائلة من البيانات النصية والسمعية والمرئية، وكلما قلّ حضور لغة ما في هذه البيانات، ضعفت قدرة النظم الذكية على التعامل معها بدقة وكفاءة لغوية ومعرفية. وبغياب استثمارات جدية في بناء قواعد بيانات لغوية عربية، وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي مهيأة لسياق اللغة والثقافة العربية، تصبح المنطقة مستهلكة لنماذج مدرَّبة أساسًا على معايير ثقافية غربية، بما يحمله ذلك من تحيزات كامنة في التصورات والقيم التي تعيد إنتاجها هذه النماذج.

في موازاة ذلك، تنبّهت بعض الدول العربية إلى مخاطر التحديات الرقمية، فبدأت في صياغة استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، وإدماج المهارات الرقمية في التعليم العام. الإمارات والسعودية، على سبيل المثال، أعلنتا عن إدخال مناهج للذكاء الاصطناعي في مدارسها ابتداءً من العام الدراسي 2025–2026، في خطوة تهدف إلى إعداد قوة عمل قادرة على التعامل مع الاقتصاد الرقمي الجديد. كما تُظهر مؤشرات جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي أن دول الخليج، ممثلة في الإمارات والسعودية وقطر، باتت تتصدر المنطقة من حيث الاستعداد المؤسسي والتقني لتبني الذكاء الاصطناعي في تطوير السياسات العامة والمنظومة الخدماتية، بينما لا تزال دول أخرى في مستويات متدنية من الجاهزية الرقمية. غير أن هذه المبادرات، على أهميتها، ستظل محدودة الأثر إذا لم تتحول إلى ممارسات عربية أوسع تعيد بناء منظومة التعليم والثقافة على مستويين، أحدهما تطوير المهارات العملية والتقنية، والآخر رفع الوعي والمعرفة الأساسية بالقيم الرقمية والمفاهيم الحديثة.

على مستوى المهارات، يحتاج التعليم العربي إلى إصلاحات هيكلية لبناء نموذج يضع التفكير النقدي، وحل المشكلات، والعمل التعاوني، والقدرة على استخدام التكنولوجيا وتطويرها، في صميم العملية التعليمية. وهذا يستلزم إعادة تدريب المعلمين، وتحديث المناهج، وبناء شراكات حقيقية مع القطاع الخاص ومراكز البحث، وفتح الباب أمام تجارب تعليمية جديدة تُدخل البرمجة والبيانات والأمن السيبراني إلى قلب المدارس والجامعات. وعلى مستوى الوعي والمعرفة، تحتاج الثقافة العربية إلى أن تدخل الفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي من موقع إنتاج المعرفة الرقمية والبرمجيات المحلية، وابتكار السياسات والأطر التنظيمية، بما يضمن توافقها مع قيم واحتياجات المنطقة، بدل انتظار الحلول الجاهزة.

ومن منظور الاقتصاد السياسي العالمي، يمكن النظر إلى العلاقة بين التعليم والثقافة والذكاء الاصطناعي بوصفها علاقة تعيد توزيع السلطة بين القوى المتقدمة والدول الناشئة. فالدول التي تستثمر اليوم في البحث العلمي، وتسيطر على منصات الذكاء الاصطناعي، وتضع المعايير العالمية المنظمة لها، هي من تحتكر جزءًا كبيرًا من القيمة المضافة في الاقتصاد الرقمي، وهي من تملك أدوات التأثير في سلوك الأفراد والمجتمعات. وفي المقابل، تجد الدول التي أهملت التعليم وانصرفت عن الاستثمار في المعرفة نفسها أمام طبقة جديدة من التبعية، لا تقوم هذه المرة على استيراد السلع والمنتجات التقليدية، بل على استيراد الحلول الرقمية والخوارزميات التي تحدد نظم التشغيل وتنظم العالم.

في ضوء ذلك، تتحوّل معركة التعليم والثقافة في العالم العربي إلى مشروع تحرر معرفي، يتجاوز مجرد التكيف مع الذكاء الاصطناعي، ليصبح صراعًا على موقع مؤثر داخل منظوماته. فاللغة العربية أصبحت تواجه خطر التهميش في “الذاكرة الرقمية” للنظم الذكية العالمية، في حين يظل التحدي الأكبر للشباب العربي هو التحول إلى القوة الموجّهة لتصميم هذه النظم وتحديد سياساتها.

السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه لا يتمحور حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل الخطر أم الفرصة، بل يتعلق بالمشروع الذي ستُسخّر له هذه الأداة. فإذا ما ظل التعليم العربي مُقيداً بالأنماط القديمة، وبقي المحتوى العربي والثقافة العربية غائبين عن منصات الإنتاج الرقمية العالمية، فإن الذكاء الاصطناعي سيكتفي بمراكمة الاختلالات القائمة. أما إذا تحوّل الاستثمار في المعرفة والبحث العلمي والمحتوى الرقمي إلى أولوية استراتيجية، فيمكن للعالم العربي أن يستعيد دوره في المنافسة العالمية ولعب دور مؤثر في رسم حدود استخدام التكنولوجيا وتطويرها.

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي بجامعة الدول العربية وعضو المكتب التنفيذي للاتحادات النوعية في الجامعة العربية.