المصدر: جريدة الوفد
أ.د. علي محمد الخوري
يُعدّ قطاع البناء والتشييد أحد المرتكزات الاقتصادية في مسار التنمية في العالم العربي، إذ يشكّل ما بين 6%-10% من الناتج المحلي الإجمالي في عدد من الدول، ويتجاوز ذلك في اقتصادات الخليج التي تبني استراتيجياتها التنموية على الاستثمار العمراني واسع النطاق. ورغم اتساع هذا القطاع وضخامة استثماراته، ما زال يُظهر أداء دون المعدلات العالمية، مع انحراف مستمر عن خطط التنفيذ الأصلية وتكاليف تنفيذ مرتفعة. تعود هذه الاختلالات إلى منظومات العمل التقليدية التي تتسم بضعف التخطيط الاستراتيجي وتجزؤ الأدوار بين الجهات المنفذة، والاعتماد المفرط على العمالة منخفضة المهارة، مقابل محدودية الاستثمار في التقنية والمعرفة، وغياب نظم الإدارة القائمة على البيانات والتحليل والتكامل بين مراحل المشروع.
ما تؤكده الدراسات الاقتصادية هو أن إنتاجية قطاع البناء عالميًا نمت بنسبة تقل عن 1% سنويًا خلال العقدين الماضيين، وهي أدنى من معدلات نمو القطاعات الصناعية والخدمية. أما في المنطقة العربية، فإن فجوة كفاءة الأداء والإنتاجية أكثر وضوحًا بسبب ضعف التكامل بين التخطيط والتمويل والتنفيذ، وغياب مؤشرات أداء دقيقة، واعتماد واسع على القرارات الفردية لا على النظم التحليلية. هذه العوامل تضع التحول التكنولوجي في البناء العربي كخيار استراتيجي لا يمكن تأجيله.
تقدّر تقارير شركات الاستشارات العالمية، منها دراسات لشركة “ماكينزي”، أن حجم سوق الذكاء الاصطناعي في البناء سيبلغ نحو 9 مليارات دولار عام 2031، بمعدل نمو سنوي يقارب 22%، وأن تطبيق التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع إنتاجية قطاع البناء عالميًا بنسبة تتراوح بين 10 و15%. وإذا ما طُبّق هذا التحول بالوتيرة نفسها في الدول العربية، فإن ذلك قد يعني زيادة في القيمة المضافة للقطاع تتراوح بين 30 و50 مليار دولار سنويًا، بالنظر إلى أن حجم سوق البناء في المنطقة يقدّر بنحو 300 إلى 500 مليار دولار. هذه الزيادة لن تمثل مجرد مكاسب مالية إضافية، بل ستعبر عن تحوّل نوعي في طبيعة الاقتصاد العمراني، وستنقل قطاع البناء من نمط يعتمد على الإنفاق والتوسع إلى قطاع منتج للمعرفة ومولّد لفرص العمل ذات القيمة العالية.
عملياً، الذكاء الاصطناعي يمثل أداة تكنولوجية ومنظومة تحليلية قد تعيد تشكيل آليات اتخاذ القرار في مراحل المشروع كافة. استخدام النمذجة الرقمية والتحليلات التنبؤية يسمح بتقدير أدق للكلفة والمدة والمخاطر، ويخفض احتمالات إعادة العمل، التي تمثل في بعض الحالات أكثر من 10 في المئة من التكلفة الكلية. كما أن تقنيات الرؤية الحاسوبية والطائرات المسيرة وأجهزة الاستشعار أصبحت تسهم في تحسين السلامة في مواقع العمل وتقليل الحوادث بنسب تراوحت بين 30-40% بناء على التجارب الدولية. هذه الأدوات إذا طُبّقت ضمن أطر مؤسسية مُنظمة يمكن أن تغيّر بنية الأداء الاقتصادي في المشروعات العربية الكبرى.
نجاح هذا التحول يعتمد على البيئة التنظيمية بقدر اعتماده على التكنولوجيا نفسها. فغياب تشريعات واضحة للبيانات، ونقص الكفاءات الفنية، وتجزؤ سلاسل التوريد، ستمثل عوائق رئيسية أمام التحديث. كما أن كثيرًا من مبادرات الرقمنة تفشل لأن الرؤى الاستراتيجية لا تُترجم إلى خطط تنفيذية متكاملة. تجاوز هذه المشكلات يتطلب إعادة تصميم العلاقة بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المهني، بحيث تصبح البيانات موردًا عامًا والمعايير الرقمية التزامًا قانونيًا.
وينبغي أن تتضمن السياسات العامة ثلاث محاور أساسية. أولها بناء بنية تحتية رقمية للمشروعات الكبرى تعتمد نمذجة معلومات البناء وتكامل البيانات بين المالك والمقاول والمصمم. ثانيها تطوير الإطار التشريعي الذي ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في المشروعات ويكفل حماية المعلومات وحقوق الملكية الرقمية. ثالثها إعداد برامج تدريب وتأهيل للمهندسين والفنيين على استخدام الأدوات التحليلية الحديثة، بما يحول القوى العاملة من مهام تنفيذية متكررة إلى مهام تحليلية وإبداعية.
التحول الذكي في قطاع البناء يمكن أن يحقق وفورات اقتصادية ملموسة في التكلفة والوقت وجودة التنفيذ، ويدعم تنافسية الشركات الوطنية في السوق الإقليمية والعالمية. غير أن أثره الأهم يتمثل في بناء قاعدة مؤسسية جديدة تستند إلى المعرفة والتحليل بدلاً من الإدارة التقليدية. إدارة المشروعات بالبيانات وقياس الأداء بمؤشرات دقيقة، تجعل استثمارات البنية التحتية توجه إلى خلق فرص عمل وقيمة اقتصادية حقيقية.
المطلوب من صناع القرار في العالم العربي هو التعامل مع التحول الرقمي في قطاع البناء كقضية سياسات اقتصادية، لا كمشروع تكنولوجي. هذه الرؤية تقتضي مواءمة التشريعات، وتوحيد المعايير، وتوجيه التمويل نحو الابتكار المؤسسي. وبذلك فقط يمكن تحويل المشاريع العمرانية من توسع في المساحات إلى منظومات منتجة للمعرفة ومساهمة في الاقتصاد الوطني.

