المصدر: جريدة الوفد
أ.د. علي محمد الخوري
يشهد العالم طفرة غير مسبوقة في منظومات الإنتاج والعمل تحت تأثير الذكاء الاصطناعي، الذي تحوّل إلى قوة بنيوية تعيد تعريف معنى القيمة الاقتصادية. فالتطور السريع في الخوارزميات والتعلم الآلي أضحى جزءا من منطق جديد يحكم الاقتصاد السياسي العالمي، حيث يتم إعادة توزيع السلطة وفرص العمل بناء على من يمتلك القدرة على التوجيه لا مجرد الاستخدام. في ظل هذا التحول، يغدو مستقبل الوظائف ساحة للتكيف في عالم يتجاوز فيه الذكاء الاصطناعي حدود المهام الروتينية ليصبح جزءا من عملية صنع القرار والمعرفة والإنتاج.
العقد الأخير كشف عن تفوق لافت للأنظمة الذكية في ميادين تحليل البيانات، والتشخيص الطبي، ومراقبة الأسواق، وإدارة سلاسل الإمداد، وخدمات المتعاملين، وهي ميادين كانت تتطلب سابقا خبرات بشرية متراكمة ومهارات دقيقة. ولكن مع التقدم التكنولوجي، تنكمش اليوم تدريجياً الوظائف المعتمدة على نمطية الأداء أو التكرار، فيما تزداد الحاجة إلى الوظائف القائمة على التفكير التحليلي، وتصميم الأنظمة الذكية، وفهم الهياكل المعقدة للبيانات، وإدارة التفاعل بين الإنسان والآلة. هذه التحولات أصبحت تغيّر شكل الوظائف، وطبيعتها، حيث أصبحت القيم المهنية ترتبط بالقدرة على التكيف، واستيعاب التقنيات الجديدة، وإنتاج المعرفة الرقمية، بدلا من المهارات التقليدية التي عرفنها منذ لثورة الصناعية السابقة.
غير أن هذه النقلة الكبرى تضع العالم أمام مفارقات جديدة، يمكن قراءتها ضمن إطار نظريات الاقتصاد السياسي التي ترى أن التحولات التكنولوجية تعيد صياغة علاقة المجتمعات بمواردها وبأنماط توزيعها.. فالفجوة بين من يمتلكون أدوات الذكاء الاصطناعي ومن يقفون خارج هذا النسق تتسع بوتيرة متسارعة، لتتحول إلى فجوة معرفية ومهارية تهدد الاستقرار الاجتماعي في مختلف الدول. كما أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية في قطاعات إنتاجية وخدمية حساسة يثير تساؤلات حول قدرة الحكومات على مواكبة هذا التغير التشريعي والتنظيمي، في وقت تتصاعد فيه المخاطر المرتبطة بالاختراقات السيبرانية واستخدام الخوارزميات في توجيه الرأي العام أو التأثير على الأسواق.
في المنطقة العربية، تبدو معركة مستقبل الوظائف أكثر تعقيداً، إذ تتقاطع التحديات التقنية مع بنى اقتصادية تقليدية، وضعف في الاستثمار بالبحث العلمي، وتأخر واضح في تحديث منظومات التعليم. ومع ذلك، فإن امتلاك المنطقة لكتلة شابة واسعة يمثل فرصة لإعادة صياغة موقعها في الخريطة الاقتصادية العالمية، شريطة تبني رؤية استراتيجية تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كفضاء إنتاجي جديد. فالواضح بأن المستقبل سيكون في صف من يمتلك القدرة على إنتاج قيمة اقتصادية مبنية على المعرفة، وعلى تشكيل جيل قادر على التعامل مع الخوارزميات وتطويرها، لا مجرد تشغيلها.
ووسط هذا الواقع المتغير، يصبح من الضروري إعادة النظر في المنظومات التعليمية بوصفها أداة للأمن الوطني لا مجرد قطاع خدمي، إذ يحتاج العالم العربي إلى نظم تعليمية قائمة على البحث والتحليل، ومناهج تدمج الذكاء الاصطناعي وفهم البيانات في مراحل مبكرة. كما تحتاج المؤسسات إلى ثقافة جديدة لا تقوم على الاستغناء عن العاملين، بل على بناء بيئات تعلّم مستمر قادرة على إعادة تأهيل القوى العاملة لملاءمة متطلبات الاقتصاد الرقمي. وفي موازاة ذلك، يصبح تطوير التشريعات المرنة، والتحول الاقتصادي القائم على الابتكار وريادة المشاريع الجديدة، جزءا من استراتيجية أوسع لحماية المجتمع وضمان دوره في النظام العالمي الجديد.
وعند التأمل فيما يجري عالمياً بشكل أعمق، يتضح أن الذكاء الاصطناعي يعمل على تغيير الأساس الذي تقوم عليه علاقة الإنسان بعمله. فقد تصبح الوظيفة في المستقبل أقل ارتباطا بالمهارة اليدوية وأكثر التصاقا بالقدرة على التفكير النقدي، والمزج بين المعرفة التقنية والفهم الاجتماعي. وربما يتطلب هذا تحولاً فلسفياً في تصور الدور الإنساني في الاقتصاد، وفي مفهوم القيمة، وفي ماهية المساهمة الفردية في الإنتاج داخل عالم تحكمه السرعة والابتكار.
وفي ظل هذه المعادلات الجديدة، يبرز تساؤل يتجاوز حدود الاقتصاد والتقنية، تساؤل يتمحور حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل امتداداً طبيعياً للثورة الرقمية، أم يشكّل لحظة تأسيسية لاقتصاد عالمي جديد يقوم على امتلاك المعرفة بدلاً من الاعتماد على رأس المال المادي.
إن مآل هذا التحول قد لا يرسم فقط ملامح وظائف المستقبل، بل يسهم أيضاً في تحديد شكل المجتمعات والدول، وفي رسم خطوط الفارق بين من يقود العالم ومن يتبعه، وبين من ينتج المعرفة ومن يظل مستهلكاً لها. وقد تكون المرحلة الراهنة فرصة حقيقية لإعادة بناء تصور مختلف لدور المجتمعات الإنسانية في اقتصاد الغد، وإرساء منظومة اجتماعية جديدة تُدخل الإنسان في علاقة عمل متطورة مع الأنظمة الذكية، بحث تتحول الوظائف إلى مساحات تجمع بين الحسّ الإنساني والدقة الحسابية، فتتكوّن دورة عمل مختلفة تمنح المجتمعات قدرة أوسع على التكيّف مع المستقبل.

