ابراج الرياح ومستقبل الطاقة في العالم العربي

مدة القراءة 6 دقائق
القاهرة

المصدر: جريدة الوفد

أ.د. علي محمد الخوري

 

تشكّل التحولات المناخية وقضايا الانتقال إلى الطاقة النظيفة ساحة صراع دولية جديدة، تتجاوز الشأن البيئي لتمسّ بنية الاقتصاد السياسي العالمي وأدواته. في قلب هذا التحول تظهر أبراج الرياح المصممة للعمل في البيئات الحارة كابتكار يختزن بُعداً استراتيجياً تجعل استغلال الرياح في البيئات القاسية ممكنًا، وتفتح أمام الدول العربية بابًا للمنافسة في سوق الطاقة العالمي.

المعضلات الأساسية التي تواجه مشاريع طاقة الرياح في البيئات الحارة لا يمكن تبسيطها إلى مجرد مشكلات تقنية. فارتفاع درجات الحرارة إلى ما يفوق 45 درجة مئوية يفرض ضغوط حرارية مباشرة على المولدات والمحركات الداخلية للتوربينات، تقلّص من كفاءتها التشغيلية وتُضاعف احتمالات الأعطال. كما أن ارتفاع درجات الحرارة المفاجئة، يُفضي إلى توسع المعدن وتمدد الهيكل، واختلالات ميكانيكية. هذه المشكلات التقنية تتحول سريعاً إلى خسائر اقتصادية، إذ ترفع تكاليف الصيانة وتقلل الجدوى الاستثمارية للمشروعات وقدرتها على منافسة مصادر الطاقة الأخرى. وتشير الدراسات العلمية الحديثة إلى أن موجات الحر الطويلة أصبحت تغطي أكثر من نصف الأراضي التي تعتمد على الرياح، وهو تحول بنيوي يجعل معالجة هذه العقبات شرطاً أساسياً لاستدامة أي مشروع للطاقة المتجددة في البيئات الحارة.

أمام هذه التحديات، اندفع قطاع صناعة توربينات الرياح إلى ابتكار جيل جديد من النماذج المصممة خصيصًا لتحمّل الظروف المناخية القاسية. صيغت هذه النماذج على أسس تكنولوجية متقدمة، تستند إلى سبائك معدنية عالية الصلابة يمكنها مقاومة التشوهات الحرارية، وطلاءات عاكسة تحد من امتصاص الإشعاع الشمسي، ومواد مركبة تجمع بين الخفة والقدرة على مقاومة التمدد والتآكل. كما أُدخلت أنظمة تبريد مزدوجة، تجمع بين تدفق الهواء عبر قنوات داخلية والتبريد السائل باستخدام وسائط حرارية متخصصة، لضمان استقرار الأداء في ذروة الحرارة. وإلى جانب ذلك، طُورت شفرات مغطاة بطبقات نانوية تقلل من فقدان الطاقة الناتج عن الاحتكاك، وتمنح البنية متانة أعلى، فيما أتاح تحسين التصميمات الانسيابية تقليل الضغوط الميكانيكية في البيئات الصحراوية والجافة.

غير أن التحول الجوهري لم يأتِ من تطوير المواد والهياكل وحدها، بل من إدماج الرقمنة والذكاء الاصطناعي في قلب المنظومة التشغيلية. فقد باتت الأبراج مزوّدة بشبكات حساسات عالية الدقة ترصد على نحو متواصل درجات الحرارة ومستويات الرطوبة وتقلّبات الرياح، وأنظمة قائمة على خوارزميات متقدمة قادرة على إعادة ضبط زاوية الشفرات وسرعة الدوران وفق المستجدات المناخية. هذا التكيّف اللحظي يجعل التوربينات أكثر قدرة على الحفاظ على استقرار الأداء في الظروف القصوى، ويحوّل ما كان يُنظر إليه كمشروعات عالية المخاطر وقليلة الجدوى إلى استثمارات ذات قيمة استراتيجية واقتصادية، قادرة على المنافسة في أسواق الطاقة العالمية.

وعند هذه النقطة، يصبح من الصعب فصل هذه التطورات التقنية عن التحولات الجارية في بنية الاقتصاد السياسي العالمي، حيث غدت القدرة على إنتاج الطاقة النظيفة في البيئات القاسية معيارًا جديدًا للسيادة الاقتصادية. فامتلاك هذه القدرة لا يعني تأمين مجرد مصدر بديل للطاقة، بل يترجم إلى استقلال القرار الوطني وإلى مساحة أوسع للمناورة داخل النظام الدولي المتشابك. ومع الارتفاع المتسارع في الطلب العالمي على مصادر الطاقة المتجددة، لم تعد قيمة هذه المشاريع محصورة في نطاقها المحلي، بل تحولت إلى أوراق قوة داخل شبكة المصالح العابرة للحدود. وهكذا فإن الدول التي ستستثمر في تطوير هذه التقنيات ستتمكن من تقليص اعتمادها على الخارج وتؤسس لموقع متقدم داخل الصناعات المستقبلية، وستؤمن موقعها في صياغة المعايير التي ستحدد شكل أسواق الطاقة لعقود مُقبلة.

وفي هذا الإطار، تبدو المنطقة العربية وكأنها تقف اليوم أمام منعطف استراتيجي بالغ الأهمية، حيث لم تعد الصحراء تُقرأ كهوامش مناخية مُعطّلة، بل باتت مرشحة لأن تتحول إلى فضاءات إنتاجية قادرة على إعادة تعريف دور المنطقة في خريطة الطاقة العالمية. فالمشروعات التي جرى تنفيذها في بعض الدول العربية أظهرت أن الجمع بين طاقة الرياح والطاقة الشمسية في صيغة هجينة يمكن أن يفضي إلى نشوء مجمّعات متكاملة للطاقة، قادرة ليس فقط على تغطية الطلب الوطني، بل على تصدير الفائض إلى الأسواق الدولية بوصفه مورداً استراتيجياً. غير أن القيمة الجوهرية لا تكمن في زيادة الإنتاج وحدها، بل في تجاوز موقع المستورد إلى موقع المنتج للتكنولوجيا. ذلك الانتقال يقتضي رؤية استثمارية غير تقليدية، تنبني على تأسيس صناديق سيادية مخصّصة للطاقة النظيفة، وإطلاق شبكات بحثية عربية ترتبط بالمؤسسات الأكاديمية والمراكز العالمية، وتطوير شراكات صناعية تتخطى الحدود السياسية لتبني صناعات إقليمية متكاملة قادرة على المنافسة والمبادرة.

ومن ثم، فإن دلالة هذا التحول لا تقتصر على حسابات الطاقة والاقتصاد المباشرة، لتصبح جزءًا من معادلة القوة الجيوسياسية ذاتها. فامتلاك القدرة على إنتاج وتصدير الطاقة النظيفة في العقود المقبلة سيُشكّل أحد المحددات الجوهرية لموقع الدول داخل النظام الدولي الآخذ في التشكل بصيغة تعددية الأقطاب. وفي حال استطاعت الدول العربية تطوير خبرتها وتوسيع استثماراتها في تقنيات الأبراج المقاومة للحرارة، فإن موقعها لن يظل محصورًا في خانة المستهلك للتكنولوجيا، بل سينتقل إلى مرتبة الفاعل القادر على المشاركة في صياغة القواعد الجديدة التي ستنظم أسواق الطاقة العالمية وترسم موازين القوة فيها.

وعليه، فإن مستقبل أبراج الرياح المقاومة للحرارة يُمثّل لحظة مفصلية في التاريخ العربي الحديث، إذ يتيح تحويل الصحراء من فضاءٍ طالما ارتبط بالفراغ المناخي والهامشية الاقتصادية إلى ركيزة من ركائز القوة الاستراتيجية. فالمسألة لم تعد مساراً تقنياً يقتصر على تحسين كفاءة التوربينات، بل تحوّلت إلى مشروع أشمل يعيد تعريف علاقة الجغرافيا العربية بالتحولات الكبرى التي تعصف بالعالم. الأرض القاحلة التي كانت عائقاً بنيوياً أمام التنمية يمكن أن تتحول إلى منصة لإنتاج الثروة وإعادة صياغة موازين النفوذ. ومن هذا المنظور، فإن الاستثمار في هذه التكنولوجيا يتجاوز البعد المرتبط بالطاقة ليصبح استثماراً في الحضور الدولي للعرب، وفي بناء موقع فاعل لهم داخل النظام العالمي الجديد للطاقة، حيث تُعاد كتابة قواعد اللعبة الاقتصادية والسياسية للقرن الحادي والعشرين.

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي بجامعة الدول العربية وعضو المكتب التنفيذي للاتحادات النوعية في الجامعة العربية.