مفكرو الإمارات
أ.د. علي محمد الخوري
كشفت الحرب، التي بدأت في 28 فبراير 2026، عن نقطة الارتكاز الأضعف في الاقتصاد العالمي؛ وجوهر ما يجري يكمن في مسارات الطاقة والتجارة التي اضطربت من جراء تصاعد المواجهات العسكرية؛ فقد أربك استهداف منشآت الطاقة، وتعطل مضيق هرمز، المفاصل الاقتصادية، ودفعا الأسواق العالمية إلى حالة من عدم اليقين. وهذا الواقع الجديد، الذي يسيطر عليه القلق والتخمين والحذر، فرض ارتفاع الأسعار ومستوى التضخم، وأجبر الشركات والدول على مراجعة خططها واتفاقياتها وسط غموض الرؤية لِما ستؤول إليه التداعيات.
ففي شهر واحد من بداية هذه الحرب قفز سعر برميل النفط إلى 60 في المئة؛ مدفوعًا بتعطل الإمدادات التي لم تعُد كافية لتلبية الطلب؛ وتراجع الكميات المتاحة. وهذا التحرك في أسعار النفط سرعان ما امتد أثره إلى مفاصل الحياة الاقتصادية؛ من تكلفة الغذاء إلى النقل والصناعة. ومع هذا الامتداد بدأ الأثر يقود إلى نتيجة واضحة تتمثل في زيادة الضغط على التكلفة الإنتاجية والمعيشية في كل مكان.
صدمة الطاقة واختناق الشرايين الحيوية للتجارة
ما يميز الحرب القائمة هو أن آثارها لا تتحرك في خط واحد، بل يغذي بعضها بعضًا؛ وما أصيب كان في أكثر النقاط حساسية في بنية التجارة العالمية؛ إذ يمر جزء كبير من الطاقة عبر مسارات محددة؛ ومضيق هرمز، الذي كان يحمل نحو 20 مليون برميل يوميًّا، فَقَد معظم طاقته التشغيلية. وقد دفع هذا الانقطاع دول الخليج والعراق، التي تُعد من أكبر المنتجين عالميًّا، إلى خفض إنتاجها بنحو 3-5 ملايين برميل يوميًّا؛ بسبب القيود التصديرية؛ مع تزايد الضغط على مرافق التخزين؛ وامتلائها. وفي الوقت نفسه امتد الأثر إلى قطاعات الطاقة المرتبطة، وفي مقدمتها الغاز الطبيعي المسال؛ إذ اضطرت قطر، التي تمثل إمداداتها نحو 20 في المئة من الإمدادات العالمية، إلى وقف صادراتها، وإعلان القوة القاهرة على عقودها. كما شمل الأثر المشتقات النفطية، وعلى رأسها الديزل، الذي يُعد العمود الفقري لسلاسل الإمداد؛ ذلك أن التقديرات تشير إلى احتمال فقدان ما بين 3 و4 ملايين برميل يوميًّا من هذه المشتقات؛ ومن شأن استمرار هذا الوضع أن يدفع تكلفة النقل والإنتاج الغذائي والصناعي إلى مستويات أعلى؛ وهو ما سيترجَم إلى ارتفاع في أسعار السلع الأساسية.
ولا تتوقف تداعيات هذا التعطل عند أسواق الطاقة، بل تمتد إلى حركة التجارة العالمية نفسها؛ بالنظر إلى أن الطاقة مدخل أساسي في تشغيل سلاسل الإمداد؛ فمضيق هرمز، أحد الممرات النفطية الاستراتيجية، هو في الأصل نقطة عبور حيوية لتجارة تُقدّر بأكثر من تريليوني دولار سنويًّا، تتجه نسبة كبيرة منها نحو آسيا التي تقوم عليها الصناعة العالمية.
العالم بلا بدائل حقيقية
يجب أن ينطلق الحديث عن بدائل في مثل هذه الظروف من فهم القيود الفعلية؛ ويتمثل التحدي الحقيقي في القدرة على إيصال الإمدادات بشكل آمن ومستقر، والحفاظ على الالتزامات التعاقدية. والقدرات البديلة لخطوط الأنابيب، برغم أهميتها، لا تتجاوز في أفضل حالاتها نحو 6-7 ملايين برميل يوميًّا؛ وهو ما يكشف عن حجم الفجوة بين المتاح والمطلوب، مقارنة بما كان يمر عبر مضيق هرمز.
ولذلك اتجهت الدول والشركات إلى إجراءات سريعة كتغيير مسارات الشحن، واستخدام المخزونات الاحتياطية، ومحاولات ترشيد استهلاك الطاقة، مثل تقليص ساعات العمل، والعمل من بُعد، وإغلاق الأنشطة التجارية باكرًا. وهذه الإجراءات سرعان ما ظهرت في حركة الإمدادات نفسها، مع تغير مسارات التصدير الباحثة عن طرق بديلة لتجاوز نقاط التعطل. واستفادت بعض الموانئ البديلة، مثل طنجة المتوسط، من تحويل مسارات الشحن؛ إلا أن الزيادة الكبيرة في عدد السفن والبضائع وضعتها تحت ضغط تشغيلي أدى إلى ازدحام، وتأخير التعامل مع الشحنات.
كما أن ميناء ينبع في السعودية تحوّل إلى نقطة عبور رئيسية؛ إذ ارتفعت الصادرات عبره أكثر من خمسة أضعاف مقارنة ببداية العام. ومع ذلك، فإن هذه الزيادة، برغم حجمها، لا تغطي سوى جزء محدود من الفجوة القائمة في الإمدادات العالمية.
حين تصبح المسافات أزمة
ضَبَط قطاع الشحن العالمي عملياته وفق معادلة المخاطر والتكلفة؛ فابتعدت الشركات الكبرى عن قناة السويس، وباب المندب، ومضيق هرمز، من باب التحوط؛ واتجهت نحو طرق أطول حول رأس الرجاء الصالح في أقصى جنوب إفريقيا. وقد أعاد هذا القرار الرحلات البحرية إلى مسارات كانت تُستخدم قبل افتتاح قناة السويس، وأضاف نحو أسبوعين إلى زمن الرحلات، ورفع تكاليف الشحن بشكل لافت للنظر، وبنسب تتراوح بين 30 و50 في المئة، ورسوم إضافية تتراوح بين 1,500 و4,000 دولار للحاوية الواحدة. أما رسوم المخاطر وتأمين الشحنات؛ فارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، مضيفة ما بين 1 و3 ملايين دولار لكل ناقلة.
وهذا يعني أن تكلفة النقل تتحول إلى جزء من كل شيء يُباع، وتتحمله في النهاية الحكومات والأفراد. ولا يدور الحديث هنا عن رسوم إضافية محدودة، بل عن فاتورة قد تصل إلى أكثر من 156 مليار دولار سنويًّا من تكلفة الشحن وحدها؛ قبل أن تبدأ الخسائر الكبرى في الظهور داخل المصانع والمتاجر وميزانيات الأسر.
الاقتصاد تحت سيطرة سياسات التحوط والاحترازية
مع ارتفاع المخاطر والتكاليف أصبحت التوقعات هي التي تقود المشهد؛ فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة النقل والأسعار، بل في احتمال المخاطر المرتبطة بوصول الشحنات في الأساس، ولا سيما أن بعض شركات الشحن بدأت ترفض المرور عبر المسارات المعتادة حتى مع ارتفاع العوائد. وفي المقابل بدأت شركات في آسيا تشتري كميات أكبر من الوقود والمواد الخام، وتخزنها مسبقًا برغم ارتفاع أسعارها؛ خوفًا من أن تتوقف الإمدادات فجأة. وبهذه الصورة تصبح الأسواق محكومة بالتوقعات والمخاوف، وتتحرك وفق ما تخشى أن يحدث؛ وهو ما يخلق واقعًا اقتصاديًّا جديدًا قد يستمر ولو توقفت العمليات العسكرية لاحقًا.
ولم تنحصر آثار الأزمة في الدول القريبة من مسرح الصراع، أو في الاقتصادات المستوردة للطاقة وحدها، بل امتدت بدرجات متفاوتة إلى مختلف الكتل الاقتصادية الكبرى؛ فالولايات المتحدة الأمريكية -مثلًا- باتت تواجه ضغوطًا تضخمية، وارتفاعًا في تكلفة الطاقة؛ وتلا ذلك خروج الغضب الشعبي إلى الشارع مع اتساع الاحتجاجات، وتزايد القلق من حرب بدأت نتائجها تُترجم إلى أعباء معيشية مباشرة.
وفي أوروبا لم يقتصر المشهد على ارتفاع الأسعار؛ بل اتجه إلى اختبار قاسٍ لأمن الطاقة، وقدرة الحكومات على حماية الصناعة والنقل والأسر. أما آسيا، التي تقوم عليها سلاسل التصنيع العالمية؛ فأصبحت هي أيضًا تدفع ثمنًا مضاعفًا مع اضطراب حركة الشحن، وارتفاع تكاليف الوقود والمدخلات. أما الدول الأخرى، التي بدت رابحة من صعود أسعار بعض السلع؛ فإنها لم تنجُ من تباطؤ التجارة، وتقلب الأسواق، وارتفاع تكلفتَي التأمين والتمويل.
ويواجه العالم، في هذه اللحظة، ارتدادًا اقتصاديًّا واسعًا يجعل الجميع تحت الضغط، ويضع الاقتصادات الكبرى نفسها أمام اختبار القدرة والاحتمال.
إيقاع الأسواق والتطور التدريجي للأزمة
على مستوى الأسواق المالية شهدت القيمة السوقية للأسهم العالمية خسائر تجاوزت 8 تريليونات دولار في مارس فقط؛ بفعل التسعير السريع للمخاطر، وتزايد حالة عدم اليقين؛ غير أن هذه الخسائر تعكس، في جانب كبير منها، تحركات استباقية في الأسواق؛ مدفوعة بعمليات بيع واسعة، وخروج رؤوس الأموال، أكثر من كونها تعبيرًا كاملًا عن الأثر الاقتصادي الفعلي.
وتشير التقديرات الأولية للأثر المباشر في الاقتصاد العالمي حتى اللحظة إلى نحو 300-800 مليار دولار؛ نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، وتعطل الإمدادات، وارتفاع تكاليف الشحن، وتباطؤ النشاط الاقتصادي.
ولكن مع استمرار الأزمة قد تتغذى التوقعات السلبية على ما يحدث على أرض الميدان؛ فالوضع القائم لا يمثل سوى المرحلة الأولى من التأثير؛ وإذا استمرت الحرب أشهرًا عدة؛ فقد ترتفع خسائر الأسواق المالية والخسائر التشغيلية إلى ما بين 2 و4 تريليونات دولار، كنتيجة مباشرة لتدهور الأنشطة الاقتصادية.
أما في حال امتداد الأزمة واتساعها إقليميًّا، والتعطل الأوسع والمستمر في مسارات الطاقة؛ فقد تصل التكلفة العالمية إلى نحو 5-7 تريليونات دولار، وتتحول تدريجيًّا من صدمة سعرية في الأسواق إلى اختلال هيكلي في الاقتصاد العالمي.
أسعار النفط وموجة التضخم
في المجمل تتجه الصورة الاقتصادية نحو مرحلة ترتفع فيها الأسعار، وتتراجع معها وتيرة النمو؛ ولفهم طبيعة هذا التحول وحدوده المحتملة؛ يصبح من الضروري النظر إلى العلاقة التاريخية بين أسعار النفط والتضخم. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن كل زيادة بنسبة 10 بالمئة في أسعار النفط تضيف نحو 0.4 نقطة مئوية إلى التضخم؛ أي أنه عند مستوى 100 دولار للبرميل؛ فإن زيادة بنسبة 10 في المئة تعني عمليًّا نحو مليار دولار إضافي يوميًّا في تكلفة الطاقة العالمية؛ وهذا كفيل برفع معدلات التضخم مئات المليارات من الدولارات سنويًّا تُضاف إلى فاتورة الغلاء العالمية.
ولكن في سياق الأزمة الحالية؛ ومع ارتفاع أسعار النفط نحو 50-60 في المئة؛ قد تتجاوز مستويات التضخم المحتملة نقطتين مئويتين؛ وهو ما يفتح الباب أمام فاتورة عالمية تتضخم إلى مستويات غير مسبوقة. والسيناريوهات التي تتداولها التقارير الدولية قد تبدو منضبطة، ولكنها ربما لا تصمد إذا استمرت الحرب؛ وقد يقترب العالم من مرحلة نمو ضعيف وأسعار مرتفعة تفرض على الاقتصادات والمجتمعات واقعًا قاسيًا.
مأزق السياسات النقدية
تواجه المصارف المركزية معضلة حقيقية بصفتها الجهة التي تتحكم في تكلفة الاقتراض وأسعار الفائدة؛ وهو ما يجعل قراراتها تمس مباشرة قدرة الحكومات على الإنفاق، وقدرة الأفراد على الشراء والادخار؛ وستضطر إلى التدخل إذا انتقلت الضغوط نحو الأجور ومستويات التضخم برفع أسعار الفائدة لتقليل الإنفاق والاقتراض، وتهدئة الأسعار.
والخطر الأكبر هو احتمالات تحول التضخم إلى وضع مستمر وحالة ممتدة، كما حدث في الأزمات المالية بالعقدين الماضيين؛ فما كان سعره دولارًا واحدًا في عام 2000 يعادل في المتوسط نحو 1.9 دولار في عام 2025 بحسب المؤشرات الرسمية؛ ولفهم الواقع الاقتصادي نفسه ينبغي التمييز بين التضخم كما يُقاس، والتضخم كما يُعاش، وما يخفيه ذلك من تباينات تمس حياة الأفراد مباشرة.
وتُظهر الإحصائيات العالمية أن الأسعار بين عامي 2000 و2025 زادت في المتوسط نحو 90 في المئة، وأن الغذاء ارتفع نحو 104 في المئة، والسكن نحو 111 في المئة، والرعاية الصحية نحو 129 في المئة؛ وهذه الأسعار لم ترجع إلى وضعها السابق، بل تراكمت؛ وهو ما يجعل التضخم المَعيش فعليًّا أعلى من التضخم المَقيس.
التضخم الآتي من قطاع الغذاء
توجَد جبهة تضخمية أخرى تتشكل في قطاع الغذاء، الذي يمثّل أساس الاستقرار المعيشي للمجتمعات؛ ذلك أن نحو 30 في المئة من تجارة الأسمدة العالمية تمر عبر مضيق هرمز؛ وقد رفعت اضطرابات الإمدادات الأسعار بنسبة تتراوح بين 30 و40 في المئة؛ وهذا الارتفاع في تكلفة الإنتاج ينتقل تدريجيًّا إلى أسعار الغذاء؛ وهو ما يعني أن موجة التضخم المقبلة ستبدأ من قاعدة الإنتاج الزراعي؛ وتظهر لاحقًا في سلاسل الإمداد، وأسعار السلع.
الجاهزية بين الاقتصادات العربية
في المنطقة العربية تظهر آثار الأزمة بنحو متباين، ولكنها تتجه في مجملها إلى الضغط على الأنشطة الاقتصادية والاستقرار المالي. والدول الخليجية؛ برغم ما تملكه من احتياطيات، وأدوات مالية، وقدرات تشغيلية، لم تكن بمنأًى عن التعطل الذي أصاب حركة التصدير والشحن والمنشآت.
كما أن الدول العربية المستوردة للطاقة وجدت نفسها أمام ضغط مضاعف ناتج من ارتفاع تكلفة الاستيراد والنقل، وتقلص الهوامش المالية. ولا يكمُن الفارق بين الاقتصادات العربية في درجة تأثرها بالأزمة القائمة، بل بالقدرات المتاحة لامتصاص تداعياتها واحتوائها وإدارتها؛ وإيقاف امتدادها إلى الداخل الاقتصادي والمعيشي.
النموذج الإماراتي
في دولة الإمارات أطلقت دبي حزمة دعم اقتصادي بقيمة مليار درهم شملت تأجيل الرسوم الحكومية، وتخفيف الأعباء على القطاعات المتضررة؛ وتبع ذلك تدخل نقدي مباشر من مصرف الإمارات المركزي بإطلاق حزمة مرونة مالية لدعم السيولة في القطاع المصرفي، وإجراءات لتخفيف متطلبات رأس المال، وتوفير أدوات تمويل بالدرهم والدولار؛ لضمان استمرار خدمات الائتمان والحد من التشدد في الإقراض في ظل تصاعد المخاطر.
وإلى جانب الاستمرار في ضخ استثمارات داخلية، أبرزها حزم سكنية تتجاوز 4 مليارات درهم لدعم المواطنين، واستقرار أوضاعهم المعيشية.
وما يميز النموذج الإماراتي لا يقتصر على سرعة الاستجابة؛ بل يمتد إلى استمرارية الأداء المؤسسي حتى في ظل الأزمات؛ إذ تواصلت الخدمات الحكومية والأنشطة الاقتصادية من دون انقطاع يُذكر. كما كشفت الأزمة مجددًا عن قوة البنية التحتية الرقمية، التي مكّنت قطاعات واسعة من العمل بكفاءة، سواء عبر الخدمات الحكومية الذكية، أو بيئات العمل من بُعد؛ وهو ما قلل أثر الاضطراب في دورة النشاط الاقتصادي.
وفي الوقت نفسه أثبتت الاستثمارات الطويلة الأمد في البنية التحتية والمشروعات الاستراتيجية جدواها؛ ليس بصفتها أدوات للنمو فقط، بل عناصر استقرار داعمة لقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات؛ وإعادة التكيف بسرعة أيضًا. ويقوم النموذج الاقتصادي الإماراتي على مرونة مؤسسية عالية برغم ما تتعرض له الدولة من عدوان غاشم، وقدرات متقدمة على التكيف، وضمان استمرارية التشغيل، مدعومة بالتنويع والاستثمار المسبق في البنية التحتية.

انكشاف جماعي مشترك
على مستوى الخليج كله تراجعت إمدادات دول عدة منتجة للنفط؛ بسبب تعطل التصدير؛ وكان الأثر أشد في العراق والكويت، وأخف جزئيًّا في دولة الإمارات والسعودية؛ بفعل المسارات البديلة مثل خطوط الأنابيب، ومرافئ التصدير خارج مضيق هرمز. وفي الوقت نفسه امتدت الاضطرابات لتشمل البنى التشغيلية واللوجستية في مختلف دول الخليج، مع تعرض الموانئ والمنشآت الحيوية وسلاسل الإمداد لضغوط مباشرة؛ نتيجة الهجمات، وتعطل حركة الشحن، في تأكيد للأثر الممتد في المنظومة التشغيلية للإقليم أجمع.
وتواجه الدول العربية خارج منطقة الخليج اضطرابات تشغيلية، وضغوطًا أكثر حدة؛ ففي مصر، تتجه السياسات نحو ضبط الاستهلاك، وتأجيل بعض المشروعات الكثيفة الطاقة؛ مع تراجع إيرادات قناة السويس، واستمرار الضغوط التضخمية. كما لجأت الحكومة إلى خفض استهلاك الوقود في المركبات الحكومية، وتوسيع ترتيبات العمل من بعد لتقليل الطلب على وسائل النقل والوقود المحلي، وخفض تكلفة التشغيل.
أما في الأردن؛ فلجأت الحكومة إلى عدم تمرير الزيادة العالمية في أسعار الوقود كاملة في هذه المرحلة؛ وتفعيل المخزونات الاستراتيجية؛ وتشغيل ميناء العقبة؛ ووضع بدائل للنقل عبر موانئ عربية متوسطية.
وفي المغرب دفعت قفزة أسعار الوقود إلى إعادة دعم النقل المهني، في وقت تُدار فيه الأزمة عبر المخزونات المتاحة، ومحاولة احتواء أثرها في السوق المحلية. كما تواجه دول مستوردة للطاقة، مثل المغرب وتونس، ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الاستيراد، وتقييد الخيارات المالية، مع تحذير البنوك المركزية من أن استمرار الحرب قد يوسع عجز الحسابات الجارية بفعل قفزة فاتورة الطاقة.
وتكشف الأزمة في مجملها العام عن فروق هيكلية في جاهزية المنظومات المؤسسية وكفاءتها، وقدرة الاقتصادات العربية على التعامل بمرونة مع سيناريوهات الأزمة، وافتقارها إلى البدائل الفعالة.
وتتطلّب إدارة الأزمة، والتعامل مع هذه المرحلة، ترتيبًا مختلفًا للأولويات. وفيما يأتي عدد من التوصيات:
تأمين الإمدادات ومساراتها
أولًا،لا بد من التعامل مع قضية إمدادات الطاقة ونقل السلع ضمن ملف واحد؛ ففي ظل هذه الأزمة؛ وبرغم أن المنشآت النفطية لا تزال قادرة على الإنتاج؛ فإن ضمانات الوصول الفعلي، أو تأخير التسليم، ستكون لها تكلفة ستلتهم جزءًا كبيرًا من قيمة الطاقة؛ ولذلك ليس المطلوب تأمين الإمدادات فقط؛ بل تأمين المسار نفسه، وضمان وصول الإمدادات إلى وجهتها. ويشمل ذلك استخدام المخزونات الاستراتيجية، وتطبيق إجراءات مؤقتة لترشيد الاستهلاك في القطاعات الأعلى استخدامًا للطاقة؛ من أجل تخفيف الضغط على الإمدادات في المدى القصير.
ويتمثل الحل الأهم في امتلاك خطط جاهزة لمسارات بديلة سريعة وفعّالة، تشمل تطوير طرق تجارية أخرى، والتنسيق مع بعض الدول لإنشاء مسارات تعاونية عابرة للحدود، بنحو يضمن استمرار التدفقات حتى في حال تعطل المسارات التقليدية. والمطلوب هو ترتيبات مشتركة مؤقتة وسريعة بين الموانئ، والمخازن، والمصافي، وشركات النقل، والمصارف؛ لضمان استمرار حركة السلع بين الدول، إلى جانب تفعيل منافذ جمركية بديلة تكون مهيأة لخدمة هذه المسارات الجديدة، وتنسيق مصرفي يحافظ على تمويل التجارة والاعتمادات اللازمة لضمان عبور الشحنات، ومعالجتها بلا تأخير.
كما تبرز الحاجة إلى الاستثمار في شبكات النقل البرية المتقدمة، وفي مقدمتها خطوط السكك الحديدية العابرة للحدود؛ لتكون بديلًا استراتيجيًّا قادرًا على تعويض جزء من المسارات البحرية المتعطلة، وتسريع حركة البضائع، وتقليل الاعتماد على الممرات العالية المخاطر. غير أن هذه الإجراءات ستبقى محدودة ما لم تتحول إلى عمل إقليمي مشترك لإيجاد البدائل التي تسمح للدول بالعمل ضمن شبكة واحدة.
توجيه برامج الدعم وفق أولويات التأثير
ثانيًا، على الحكومات أن تنتقل من منطق “الدعم الواسع” إلى منطق الحماية المركزة، التي تدعو إلى إجراءات موجهة للفئات والقطاعات الأكثر هشاشة بدل التدخلات العامة المكلفة والمحدودة الأثر. والأولوية في الدرجة الأولى هنا هي ضمان استمرار توافر السلع والخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والدواء والنقل العام والكهرباء، إلى جانب حماية سلاسل الإمداد التي تحد من القفزات السعرية. والهدف هو حماية القدرة المعيشية، ومنع انتقال الضغوط الاقتصادية إلى مستويات أوسع من المجتمع. ولا بد أن تستند البرامج إلى مبدأ قائم على البيانات، والرجوع إلى قواعد البيانات الاجتماعية والاقتصادية، وتحديثها باستمرار؛ لضمان تحقيق التأثير المستهدف.
الاستثمار وفق الأولوية
ثالثًا، من الضروري إعادة ترتيب المشروعات بتأجيل تلك التي تحتاج إلى تمويلات كبيرة، ولا تعطي مردودًا سريعًا؛ والاستمرار في المشروعات التي تحافظ على توافر السلع والخدمات الأساسية، مثل المخازن، وخدمات النقل، والكهرباء، وصيانة المرافق، وتوفير الغذاء؛ وهذه الدعوة ليست لـ”التقشف”؛ بل لتوجيه الموارد نحو تقديم ما يُبقي الاقتصاد في حالة نشطة، وتأجيل ما سواه.
حماية الثقة بالأسواق
رابعًا، تجب حماية الثقة قَدْر حماية السلع؛ فالأسواق تُسعّر المخاطر قبل أن تتحقق؛ لذلك تُعد الشفافية في المعلومات بشأن مخزون الدولة والمتوافر، وخطط الاستعداد والطوارئ، ووضوح رسائل الحكومة للمجتمع والأسواق، كلها أدوات اقتصادية يمكنها توجيه التوقعات، والحد من الارتفاعات غير المبررة. ولا تقتصر حماية الثقة على مستوى الأسواق الكلية، بل تمتد إلى القاعدة الاقتصادية الأوسع، وفي مقدمتها الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تواجه خطر التراجع، أو التفكك، في ظل انخفاض الطلب، وعجزها عن الاستمرار؛ فخسارة هذه الشركات لا تعني تعثر كيانات تجارية فقط، بل تكلفة أعلى كثيرًا لإعادة تشغيلها اقتصاديًّا واجتماعيًّا؛ إضافة إلى ما ينجم عن ذلك من فقدان الوظائف؛ وهو ما يجعل الحفاظ عليها أولوية اقتصادية ومجتمعية تتجاوز حدود مصالح ملاكها أنفسهم الذين قد لا يملكون أدوات المواجهة في مثل هذه الأزمات.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى آليات دعم أكثر عمقًا ودقة، تقوم على توجيه المساعدات وفق أولويات واضحة ومدروسة تضمن استمرارية هذه الشركات، وتحافظ على الوظائف، وتمنع انتقال الأزمة من القطاع الاقتصادي إلى النسيج الاجتماعي.
التنسيق النقدي وضمان الاستقرار المالي
خامسًا، في ظل تصاعد الضغوط على العملات الوطنية، وما قد ينجم عنه من ارتفاع في الأسعار، وتآكل القدرة الشرائية؛ تبرز الحاجة إلى الانتقال من المعالجات النقدية المنفردة إلى تنسيق إقليمي أكثر تكاملًا؛ فالتحدي لا يقتصر على إدارة سعر الصرف؛ بل يمتد إلى حماية الاستقرارين الاقتصادي والاجتماعي من آثار تقلبات مفاجئة قد تعمّق الضغوط على الأسواق والقطاعات الإنتاجية.
ويتطلب ذلك إنشاء آليات تنسيق بين البنوك المركزية تهدف إلى الحد من التقلبات الحادة في أسعار الصرف، وتجنب السياسات غير المنسقة التي قد تؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات، أو إضعاف الثقة بالعملات المحلية. كما يشمل توحيد الاتجاهات العامة للسياسات النقدية؛ بما يحد من انتقال الضغوط بين الدول، ويحافظ على استقرار السيولة داخل الاقتصادات.
وعلى صعيد التمويل التجاري تبرز أهمية تفعيل أدوات مالية مشتركة، مثل خطوط مقايضة العملات (Swap Lines)؛ لضمان استمرار تدفق السلع الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء والدواء، بلا انقطاع. وتمثل استمرارية التمويل التجاري في هذه المرحلة ضرورة اقتصادية تشكل أحد أهم عناصر الاستقرار المجتمعي، وتحد من انتقال الضغوط إلى مستويات أوسع تمس الاستقرار العام.

تفعيل المسار الدبلوماسي
في ظل تصاعد تكلفة الصراع وتداعياته الممتدة على أسواق الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد؛ يصبح من الواضح أن الأدوات الاقتصادية، مهما بلغت فاعليتها، ستبقى محدودة الأثر ما لم تترافق مع تحرك سياسي يوقف مسار التصعيد؛ فاستمرار العمليات العسكرية لن يعني استمرار الضغوط على الأسعار والنمو فقط، بل استمرار حالة عدم اليقين التي تعطل قرارات الاستثمار والإنتاج، وتُبقي الاقتصاد العالمي في حالة نزيف مستمر.
واستنادًا إلى ذلك تبرز الدبلوماسية السياسية أداة أمنية واقتصادية لخفض التوتر؛ وفتح قنوات التفاوض؛ وهذا يمثل الشرط الأساسي لإعادة الاستقرار إلى الأسواق، واستعادة حركة التجارة والطاقة ضمن مسارات أكثر قابلية للتنبؤ؛ ويتطلب الأمر هنا تحركًا إقليميًّا ودوليًّا منسقًا يدفع نحو احتواء التصعيد، وتهيئة الأرضية للعودة إلى طاولة المفاوضات؛ بما يحد من اتساع نطاق الأزمة؛ ويمنع تحولها إلى حالة ممتدة من الاختلالات تحت ضغط المخاطر. ولا تقتصر أهمية الدبلوماسية على إنهاء النزاع؛ بل تمتد إلى إدارة مرحلته التي تلي التهدئة؛ لأن ضمان استمرارية تدفق السلع، وطمأنة الأسواق، وإعادة بناء الثقة باستقرار البيئة الاقتصادية؛ تصبح جميعها جزءًا من عملية التعافي نفسها؛ فكل تأخير في المسار السياسي ستنجم عنه تكلفة اقتصادية أعلى؛ وسيؤدي إلى إطالة مسارات التعافي بنحو قد يجعل احتواءها لاحقًا أكثر صعوبة.
ما بعد الأزمة
بوجه عام ربما يكون الأثر الأبعد لهذه الحرب أنها كشفت أن اقتصادات العالم، ومنها الاقتصادات العربية، بُنيت على السرعة لا على الصلابة، وعلى الكفاءة لا على القدرة على الاحتمال والصمود؛ فما بدا لسنوات شبكة واسعة ومرنة؛ اتضح أنه نظام يقوم على توازن يمكن كسره بسهولة.
ولا تتعلّق القضية -أساسًا- بمدى ارتفاع أسعار السلع وتكاليف المعيشة؛ بل ببنية اقتصادية كاملة قامت على افتراض أن حركة السلع والطاقة مضمونة دائمًا، وهو ما أثبت الواقع عدم صحته؛ وما انكشف فعلًا هو أن الاقتصادات التي لا تملك بدائل، أو مخزونات كافية، أو قدرة على التكيّف السريع، ستبدو قوية في حالات الرخاء، ولكنها ستنهار عند أول اختبار كبير.
ولهذا؛ فإن ما ستتركه الأزمة ليس مجرد تكلفة وفاتورة أعلى؛ بل ستدفع الدول إلى بناء تصور جديد لِما تعنيه السيادة الاقتصادية، والبحث عن ممكنات لحماية مجتمعاتها واستقرارها، في عالم لم يعُد الاستقرار فيه أمرًا يمكن البناء عليه بصفته قاعدة دائمة، وفي بيئة لم تعد تُدار بمنطق اليقين، بل بمنطق المخاطر.