في وقت تتسارع فيه وتيرة التحول الرقمي بالمغرب، يكشف تقرير حديث عن واقع مزدوج داخل النسيج الجمعوي: انتشار واسع لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الأنشطة اليومية، مقابل غياب إطار قانوني ومؤسساتي شامل ينظم هذه الممارسات ويحمي الحقوق . هذا ما خلصت إليه المذكرة الترافعية الصادرة عن جمعية “سمسم – مشاركة مواطنة” خلال يونيو 2026، تحت عنوان “الذكاء الاصطناعي والمجتمع المدني بالمغرب: نحو حكامة مسؤولة وإطار تنظيمي يراعي احتياجات الفاعلين المدنيين” .
استخدام واسع.. لكن غير متكافئ
اعتمد التقرير على استبيان وطني شمل 58 مشاركاً من جمعيات وباحثين ونشطاء من مختلف جهات المملكة، وكشفت نتائجه عن حضور لافت للذكاء الاصطناعي في العمل الجمعوي، حيث يستخدم 55.2% من المستجوبين هذه الأدوات بشكل منتظم، فيما يعتمد عليها 39.7% بدرجات متفاوتة، مقابل 5.2% فقط لا يستخدمونها إطلاقاً .
وتتركز مجالات الاستخدام بشكل أساسي في الجوانب التشغيلية والإنتاجية: التصميم والبحث (63.8%)، وإعداد المحتوى (56.9%)، وصياغة التقارير (55.2%)، والترجمة (51.7%). بالمقابل، يظل توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات الترافع والتأثير في السياسات العمومية محدوداً، إذ لم تتجاوز نسبته 6.9% . هذا التفاوت يعكس، وفق الجمعية، استمرار التركيز على تحسين الكفاءة الداخلية بدلاً من استثمار هذه التكنولوجيا كأداة لدعم المشاركة المدنية وصناعة القرار .
تحذير من “فجوة الذكاء الاصطناعي“
رغم هذا الانتشار، حذر التقرير من اتساع “فجوة الذكاء الاصطناعي” داخل النسيج الجمعوي، التي تعبر عن التفاوت في قدرة الجمعيات على الولوج إلى الأدوات الذكية واستخدامها بفعالية . فقد أظهرت النتائج أن 58.6% من المشاركين يصفون مستوى معرفتهم بالذكاء الاصطناعي بأنه متوسط، فيما يعتبر 20.7% أن إلمامهم ضعيف، مقابل 20.7% فقط يمتلكون معرفة جيدة أو متقدمة .
وتحدد المذكرة أبرز المعيقات التي تواجه الجمعيات:
- محدودية برامج التكوين والتأطير المستمر .
- ضعف الموارد المالية اللازمة لاقتناء الحلول الرقمية المتقدمة .
- غياب سياسات داخلية ومدونات سلوك تؤطر الاستخدام المسؤول .
- تنامي المخاوف المرتبطة بحماية البيانات والسيادة الرقمية، في ظل الاعتماد المتزايد على منصات عالمية .
وترى الجمعية أن استمرار هذا الوضع قد يكرس أشكالاً جديدة من اللامساواة، حيث تجد الجمعيات الأقل تأهيلاً نفسها خارج دوائر التأثير وصياغة السياسات العمومية .
فراغ تشريعي في ظل تحول رقمي متسارع
رغم الدينامية التي يشهدها المغرب في مجال الرقمنة، خاصة بعد إطلاق استراتيجية “المغرب الرقمي 2030″، ترى جمعية “سمسم – مشاركة مواطنة” أن المقاربة الحالية تركز بشكل أساسي على تحديث الإدارة والخدمات العمومية، دون مواكبة ذلك بإطار قانوني شامل ينظم تطوير واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي .
وتشير المذكرة إلى أن المغرب لا يتوفر حالياً على قانون خاص ينظم أنظمة الذكاء الاصطناعي، رغم وجود نصوص قانونية ذات صلة مثل القانون المتعلق بحماية المعطيات الشخصية (09.08)، وقانون الأمن السيبراني، وقانون الحق في الحصول على المعلومات. غير أن هذه النصوص، بحسب الجمعية، تظل متفرقة ولا توفر إطاراً مندمجاً لمعالجة القضايا المرتبطة بالتحيز الخوارزمي، والشفافية، والمسؤولية القانونية الناشئة عن استخدام الأنظمة الذكية .
وتستعرض المذكرة في سياق المقارنة الدولية التجارب العالمية في حكامة الذكاء الاصطناعي، من بينها مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (2019)، وتوصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (2021)، واللائحة الأوروبية للذكاء الاصطناعي (2024)، إضافة إلى اتفاقية مجلس أوروبا الخاصة بالذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان . وترى أن هذه التجارب تعكس انتقال النقاش العالمي من مقاربة تقنية ضيقة إلى رؤية شمولية تربط الذكاء الاصطناعي بحقوق الإنسان والتنمية المستدامة .
دعوات للحكامة والمشاركة
اختتمت جمعية “سمسم – مشاركة مواطنة” مذكرتها بمجموعة من التوصيات، أبرزها :
- إشراك المجتمع المدني في إعداد المنظومة التشريعية والمؤسساتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي .
- إحداث هيئة وطنية مركزية لتنسيق الجهود وصياغة رؤية موحدة في هذا المجال .
- تطوير برامج متخصصة لبناء القدرات الرقمية للفاعلين الجمعويين .
- توفير الدعم المالي والتقني لتحديث البنيات التحتية الرقمية للجمعيات .
- وضع أطر معيارية وأخلاقية واضحة، تشمل مدونات سلوك وسياسات داخلية تضمن الاستخدام المسؤول .
وكانت الجمعية قد أصدرت في مايو 2026 “دليلاً عملياً للجمعيات في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي”، بالشراكة مع شبكة Innovation for Change، يهدف إلى تمكين المنظمات من الاستفادة من هذه التقنيات مع تفادي المخاطر القانونية والأخلاقية، مثل حماية البيانات وظاهرة “هلوسة” الذكاء الاصطناعي، ويقدم إرشادات حول فن صياغة الاستفسارات الموجهة للأنظمة الذكية .
المصدر: بوابة “اقتصادكم”، وموقع “مدار21″، وصحيفة “لو ماتان” الفرنسية، وموقع “فبراير.كوم”، ومنصة “كِشـ24″، إضافة إلى تقارير متخصصة.