التحول الرقمي ومشكلة البطالة في العالم العربي

مدة القراءة 4 دقائق
القاهرة

المصدر: جريدة الوفد

أ.د. علي محمد الخوري

 

يشهد العالم المعاصر تحولات كبرى بفعل الثورة التكنولوجية التي أعادت تشكيل أنماط الإنتاج والاستهلاك والمعرفة، لتصبح الرقمنة القلب النابض للاقتصاد العالمي. التحول الرقمي لم يعد خطوة تجميلية في مسار التنمية، بل تحوّل إلى شرط للبقاء في دائرة المنافسة والتطور. فاندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، وإنترنت الأشياء، والتجارة الإلكترونية في البنى الاقتصادية والاجتماعية بات يمثل نقطة الانطلاق نحو مستقبل أكثر ابتكاراً وأعلى إنتاجية. وقد أثبتت تجارب الدول التي تبنت الرقمنة مبكراً أن التكنولوجيا أكثر من مجرد أداة تشغيل، بل المحرك الذي يمكن أن يعيد تعريف مفاهيم العمل والنمو والإنتاجية.

ورغم هذا الوعي العالمي، ما تزال المنطقة العربية تواجه معضلات هيكلية تعيق الاستفادة القصوى من هذه الثورة. فالبطالة، خاصة بين الشباب وحملة الشهادات الجامعية، بلغت مستويات مقلقة تتجاوز في بعض الدول ربع القوى العاملة. ويعود ذلك إلى اعتماد اقتصادي مفرط على القطاعات الريعية، وضعف التنويع الصناعي، والفجوة العميقة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق الحديثة. كما أن الاعتماد المستمر على الوظائف الحكومية التقليدية أدى إلى انكماش في فرص التشغيل، ما جعل التحول الرقمي يواجه أرضية اجتماعية غير مهيأة لاستيعاب تغيراته السريعة.

تأثير الرقمنة على البطالة في العالم العربي يحمل وجوهاً متعددة. فمن جهة، تؤدي الأتمتة إلى انحسار الوظائف الروتينية والمكتبية التي يمكن استبدالها بالبرامج الذكية والروبوتات، لتخلق ما يُعرف بالإقصاء الوظيفي بفعل التقنية. هذا التحول المفاجئ، في ظل ضعف جاهزية التعليم والتدريب المهني، قد يفاقم هشاشة الطبقات الوسطى والدنيا.

ومن جهة أخرى، يفتح التحول الرقمي آفاقاً جديدة في مجالات الاقتصاد المعرفي، كالبرمجة، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، وصناعة المحتوى الرقمي، والعمل الحر عبر المنصات العالمية. هذه الفرص تتيح للشباب العربي فضاءً أوسع للعمل المرن، وتمنح رواد الأعمال إمكانات غير مسبوقة لإنشاء شركات ناشئة في مجالات التكنولوجيا المالية والتطبيقات الذكية، ويسهم في خلق اقتصاد أكثر ديناميكية وتنوعاً.

ومع ذلك، تظل التحديات متشابكة وعميقة. فغالبية الجامعات العربية لم تُحدّث مناهجها لتواكب متطلبات الأسواق الرقمية، لتترك فجوة مؤلمة بين المعرفة الأكاديمية والمهارات التطبيقية. كما أن غياب الاستراتيجيات الحكومية الواضحة لإعادة تأهيل القوى العاملة جعل الفجوة تتسع، لتتحول الرقمنة من أداة للتقدم إلى مصدر قلق اجتماعي. فوق كل ذلك، تؤدي هجرة العقول المبدعة إلى الغرب، بحثاً عن بيئات أكثر دعماً واحتضاناً للابتكار، إلى استنزاف رأس المال البشري العربي. هذا التفاوت يُظهر بوضوح في المنطقة، حيث تحقق بعض دول الخليج تقدماً نوعياً في مشاريع التحول الرقمي، بينما تتعثر دول أخرى بسبب ضعف البنية التحتية التقنية ومحدودية الاستثمارات في الاقتصاد الرقمي.

رغم كل ذلك، فإن الفرصة لا تزال قائمة أمام العالم العربي لتصحيح المسار. إصلاح منظومة التعليم وإدماج علوم البيانات والذكاء الاصطناعي وريادة الأعمال الرقمية في المناهج يمثل خطوة أولى نحو بناء أجيال قادرة على المنافسة. كما أن إعادة تأهيل العاملين في القطاعات التقليدية وتطوير مهاراتهم التقنية يمكن أن يحد من البطالة الناجمة عن الأتمتة. إلى جانب ذلك، فإن الاستثمار في الابتكار، ودعم الشركات الناشئة عبر برامج التمويل والحاضنات الرقمية، وتوسيع فرص العمل عن بُعد، كلها عوامل تضع الأساس لاقتصاد عربي رقمي قادر على الصمود والتجدد.

عامة، يبدو بأن التحول الرقمي في العالم العربي يجد نفسه اليوم أمام اختبار تاريخي سيحسم ملامح المستقبل. فهو إما أن يكون جسراً لتحول اقتصادي قائم على المعرفة والابتكار، أو يتحول إلى عامل يفاقم التفاوتات الاجتماعية إذا أُهمل بعده الإنساني والتنموي. المستقبل سيتوقف على القدرة على توجيه التطور التقني برؤية ومشروع تنموي يضع رأس المال البشري في صدارة أولويات السياسات العامة.

التحدي الحقيقي لا يكمن في وتيرة الرقمنة أو في سباق اللحاق بها، بل في الكيفية التي تُوظف بها لخدمة المجتمعات وحماية أمنها الاقتصادي والاجتماعي، لأن التحول الرقمي إن لم يشمل المجتمع ككل يتحول إلى مشروع منعزل بلا مضمون تنموي.

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي بجامعة الدول العربية وعضو المكتب التنفيذي للاتحادات النوعية في الجامعة العربية.