اللغة العربية في زمن السيادة الرقمية

مدة القراءة 5 دقائق

أبوظبي

المصدر: جريدة الاتحاد

مفكرو الإمارات

أ.د. علي محمد الخوري

تُعدّ اللغة العربية إحدى المكونات الجوهرية للهوية الثقافية والحضارية في العالم العربي، كما تشكّل ركيزة أساسية لأي مشروع يستهدف بناء استقلال معرفي وتكنولوجي حقيقي. ومع التحولات الرقمية العميقة التي يشهدها العالم باتت العلاقة بين اللغة العربية ومفهوم «الاستقلالية البرمجية» تأخذ طابعاً استراتيجياً يتجاوز الجانب اللغوي البحت، لتلامس قضايا السيادة الرقمية والأمن الثقافي والموقع الاقتصادي للدول العربية في المستقبل القريب؛ إذ إن قدرة المجتمعات على إنتاج برمجياتها وأنظمتها الذكية بلغتها الخاصة أصبحت المعيار في تحديد مدى استقلالها في فضاء تكنولوجي يتوسع بسرعة غير مسبوقة.

ويقوم مفهوم الاستقلالية البرمجية على امتلاك القدرة الكاملة على إنتاج البرمجيات، وإدارة البيانات، والتحكم في أنظمة الذكاء الاصطناعي من دون الحاجة إلى بِنى خارجية أو لغات أجنبية مفروضة. ويندرج هذا ضمن إطار أوسع يُعرف بالسيادة الرقمية؛ إذ تتحول اللغة إلى أداة قيادة لا مجرد وسيلة تعبير، خاصة حين تصبح جزءاً من البنى الأساسية التي تعتمد عليها التقنيات الحديثة؛ من معالجة اللغة الطبيعية إلى النماذج التوليدية التي باتت تؤثر في الاقتصاد والإعلام والتعليم، وحتى في تشكيل الوعي العام.

وتكتسب اللغة العربية في هذا الإطار وظيفة جديدة، لا لأنها وعاء ثقافي فقط، بل وقناة يُحوَّل من خلالها الفكر إلى خوارزميات، والأفكار الابتكارية إلى برمجيات، والذاكرة الثقافية إلى بيانات قادرة على توليد أنظمة ذكية ناطقة بمرجعيات المنطقة. وكلما ازدادت قدرة اللغة العربية على الاندماج في البنى التقنية الحديثة، من قواعد بيانات لغوية دقيقة إلى نماذج تحليل نحوي ودلالي متقدمة، ازدادت إمكانية إنتاج برمجيات ذات هوية عربية تنقل العالم الرقمي إلى منظومة تُبنى فيها الحلول التقنية بروح المنطقة وثقافتها.

غير أن هذا الطموح يواجه جملة من التحديات في العالم العربي، أبرزها ضعف المحتوى الرقمي العربي الذي لا يزال يُشكّل نسبة ضئيلة من المحتوى العالمي؛ وهو ما يَحول دون تدريب نماذج لغوية قادرة على استيعاب ثراء العربية وتنوعها. كما أن هيمنة البرمجيات الأجنبية تجعل معظم البنى الرقمية المعتمَدة في المؤسسات العربية جزءاً من منظومات ثقافية غير عربية؛ الأمر الذي يعمّق التبعية لها، ويفرض سقفاً على قدرتها على تطوير نماذج محلية.

ويضاف إلى ذلك محدودية الموارد اللغوية العربية المفتوحة، من قواميس رقمية إلى بيانات صوتية ونصية قابلة للاستخدام البحثي، فضلاً عن غياب سياسات عربية مُوحدة تعيد تنظيم الجهود التقنية الباحثة عن نهضة رقمية شاملة. وفي ظل هذا المشهد يبرز خطر التآكل اللغوي مع ازدياد الاعتماد على أنظمة ذكاء اصطناعي أجنبية قد تفرض أنماطاً لغوية وثقافية لا تنسجم مع البيئة العربية، خاصة إذا بقي التعريب سطحياً لا يمسّ العمق البنيوي للنماذج.

وبرغم هذه التحديات، فإن أمام الدول العربية فرصاً واسعة للتقدم نحو استقلالية برمجية حقيقية إذا ما استثمرت في بناء بِنى معرفية ولغوية جديدة، من دعم المشروعات المفتوحة المصدر، إلى تطوير مراكز بحثية متخصصة بمعالجة اللغة العربية حاسوبياً؛ ومن إدماج اللغة في مناهج تعليمية رقمية حديثة، إلى بناء شراكات بين القطاعين العام والخاص في مجال الذكاء الاصطناعي. ولعل اللحظة الراهنة تمثل فرصة للعالم العربي لخلق نموذج رقمي مستقل قادر على استثمار مكانة العربية بصفتها لغة عالمية في الفكر والتاريخ والإبداع.

وإذا ما كان المستقبل الرقمي يتجه نحو عصر تتحدد فيه القوة بالبيانات واللغات التي تتحكم في حركة الخوارزميات، فإن قدرة الدول العربية على تمكين لغتها داخل هذا الفضاء تُشكّل شرطاً لحضورها الفاعل في النظام العالمي المقبل؛ فاللغة هي بنية الحكم الجديدة، وأداة التأثير، ومساحة التنافس، ومفتاح لمعادلات اقتصادية وسياسية ستعيد تشكيل خرائط النفوذ؛ لأنها الوسيط في تشكيل وعي المجتمعات وأسواقها.

وفي مستوى دلالي أوسع يثير هذا التحوّل مسألة موقع اللغة العربية في عالم يقوم على المعرفة المبرمجة؛ ذلك أن حضور اللغة في البِنى الرقمية ليس مسألة لغوية، بل الشرط لامتلاك فضاء برمجي مستقل تستطيع به الدول العربية حماية ذاكرتها الثقافية وتطوير أنظمتها الرقمية، بما ينسجم مع بيئتها اللغوية والفكرية. ومن دون هذا الفضاء تصبح المجتمعات العربية جزءاً من منظومات تقنية تُنتَج بلغات وثقافات أخرى؛ وهو ما يعني الارتهان لنماذج لا تعكس خصوصياتها، بل وتفرض عليها واقعاً جديداً داخل المنظومات الرقمية الصاعدة. ومع التنافس العالمي على احتكار أدوات الذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية أن يكون للعربية موضع داخل الخوارزميات التي تشكل مستقبل البشرية وتديره.

 

 

مستشار مجلس الوحدة الاقتصادية العربية ورئيس الاتحاد العربي للاقتصاد الرقمي بجامعة الدول العربية وعضو المكتب التنفيذي للاتحادات النوعية في الجامعة العربية.